إذا كان المشهور يدل غالبًا على واقع الأمر . فإن من الأمور ما يشتهر مخالفًا للحقيقة . فمما اشتهر أن الإمام عليًا لم يبايع لأنه كان يرى أحقيته بالإمامة من غيره . ولكن الثابت من أقواله يدل على أنه كان يرى ألا يقضى مثل هذا الأمر دون أن يكون له فيه رأي ، مع اعترافه بأفضلية الصديق ، وعدم إنكار أحقيته لإمامة المسلمين: روى البخاري أن الإمام عليًا عندما أراد مبايعة الصديق رضي الله عنهما أرسل إليه فجاءه ، فتشهد على فقال:"إنّا قد عرفنا فضلك وما أعطاك الله ، ولم ننفس عليك خيرًا ساقه الله إليك ، ولكنك استبددت علينا بالأمر ، وكنا نرى لقرابتنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم نصيبًا ، حتى فاضت عينا أبى بكر . فلما تكلم أبو بكر قال: والذى نفسى بيده لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلى أن أصل من قرابتى ، وأما الذي شجر بينى وبينكم من هذه الأموال فلم آل فيها عن الخير ، ولم أترك أمرًا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنعه فيها إلا صنعته . فقال على لأبى بكر: موعدك العشية للبيعة . فلما صلى أبو بكر الظهر رقى على المنبر فتشهد ، وذكر شأن على وتخلفه عن البيعة ، وعذره بالذى اعتذر إليه ، ثم استغفر وتشهد على فعظم حق أبى بكر ، وحدث أنه لم يحمله على الذي صنع نفاسة على أبى بكر ولا إنكارا للذى فضله الله به ،ولكنا نرى لنا في هذا الأمر نصيبًا ، فاستبد علينا ، فوجدنا في أنفسنا ، فسر بذلك المسلمون وقالوا: أصبت . وكان المسلمون إلى على قريبًا حين راجع الأمر بالمعروف" ( كتاب المغازي باب غزوة خيبر) . وروى مسلم أكثر من رواية تفيد ما سبق ، وفى إحدى رواياته"ثم قام على فعظم من حق أبى بكر ، وذكر فضيلته وسابقته ، ثم مضى إلى أبى بكر فبايعه ، فأقبل الناس إلى على فقالوا: أصبت وأحسنت" (كتاب الجهاد - باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لا نورث ماتركنا فهو صداقة ) .