قال ثعلب: الركوع الخضوع ، ركع يركع ، ركعًا وركوعًا: طأطأ رأسه . وقال الراغب الأصبهانى: الركوع الانحناء ، فتارة يستعمل في الهيئة المخصوصة في الصلاة كما هي وتارة في التواضع والتذلل: إما في العبادة ، وإما في غيرها . وكانت العرب في الجاهلية تسمى الحنيف راكعًا إذا لم يعبد الأوثان ، ويقولون: ركع إلى الله ، قال الزمخشري: أي اطمأن ، قال النابغة الذيبانى:
سيبلغ عذرًا أو نجاحًا من امرئ إلى ربه رب البرية راكع
وتقول: ركع فلان لكذا وكذا إذا خضع له ، ومنه قول الشاعر:
بيعت بكسر لئيم واستغاث بها من الهزال أبوها بعد ما ركعا
يعنى بعد ما خضع من شدة الجهد والحاجة .
ومنه كذلك: لا تهين الفقير علك أن تركع يومًا والدهر قد رفعه
وقد استعمل بهذا المعنى في القرآن الكريم أيضًا كما قيل في قوله سبحانه:"وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ"، إذ ليس في صلاة من قبلنا من أهل الشرائع ركوع هو أحد الأركان بالإجماع . وكذا في قوله تعالى"وَخَرَّ رَاكِعًا"إلى غير هذا ( [51] )
فقوله تعالى:-"وَهُمْ رَاكِعُونَ"يعنى به وهم خاضعون لربهم منقادون لأمره ، متواضعون متذللون في أدائهم للصلاة وإيتائهم للزكاة ، فهو بمعنى الركوع الذي هو في أصل اللغة بمعنى الخضوع .
وأرى تأييد لهذا المعنى مجئ الآية الكريمة بالفعل المضارع ، فهو يدل على أن الآية الكريمة لا تشير إلى حادثة حدثت وانتهت ، وإنما تدل على الاستمرار والدوام ، أي أن صفات المؤمنين وطبيعتهم الصلاة والزكاة وهم راكعون ، ولا يستقيم المعنى - بغير تكلف - أن يكون من صفاتهم إخراج الزكاة أثناء الصلاة .
ذكر الشيعة أن التصدق أثناء الركوع لم يقتصر على أمير المؤمنين ولكن اقتدى به باقي أئمتهم جميعًا ! وهنا يرد تساؤل: إذا كان هذا العمل من الفضائل التي امتدح بها أبو الأئمة وتبعه جميعهم فكيف لم يحرص على هذه الفضيلة سيد الخلق أجمعين صلوات الله وسلامه عليه ؟وكذلك سائر الأمة ؟