لم ترد الرواية عن عمر بهذا السياق لا في البخاري ولا في غيره، بل وردت في حديث طويل رواه ابن عباس من أن عمر قام خطيبًا في المدينة ليرد شبهة أثارها فلان من الناس وكان مما قال (( ... ثم لإنه بلغني أنّ قائلًا منكم يقول والله لوقد مات عمر بايعت فلانًا، فلا يغترن امرؤ أن يقول إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت، ألا وإنها قد كانت كذلك ولكن وقى شَرَّها، وليس فيكم من تُقطعُ الأعناقُ إليه مثل أبي بكر، من بايع رجلًا من غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هوولا الذي بايعهُ تغَّرةً أن يُقتلا ) ) (1) ومعنى قول عمر أنها كانت فلته أي فجأة دون استعداد لها، وهكذا وقعت بيعة أبي بكر فجأة من دون أن يستعدوا أويتهيأوا لها فوقى الله شرها، أي فتنتها، وعلل لذلك بقوله مباشرة (وليس فيكم من تُقطعُ الأعناق إليه مثل أبي بكر) أي ليس فيكم من يصل إلى منزلة أبي بكر وفضله، فالأدلة عليه واضحة، واجتماع الناس إليه لا يحوزها أحد، يقول الخطابي (( يريد أن السابق منكم الذي لايلحق في الفضل لا يصل إلى منزلة أبي بكر، فلا يطمع أحد أن يقع له مثل ما وقع لأبي بكر من المبايعة له أولًا في الملأ اليسير ثم اجتماع الناس عليه وعدم اختلافهم عليه لما تحققوا من استحقاقه، فلم يحتاجوا في أمره إلى نظر ولا إلى مشاورة أخرى، وليس غيره في ذلك مثله ) ) (2) وبالطبع كان سبب قول عمر هذا لأنه علم أنّ أحدهم قد قال (لومات عمر لبايعت فلانًا) أي يريد أن يفعل كما حدث لأبي بكر، ويتعذّر بل يستحيل أن يجتمع الناس على رجل كاجتماعهم على أبي بكر فمن أراد أن ينفرد بالبيعة دون ملأ من المسلمين فسيعرّض نفسه للقتل، وهذا هومعنى قول عمر (تغرةً أن يقتلا) ، أي (( من فعل ذلك فقد غرر بنفسه وبصاحبه وعرّضهما للقتل ) ) (3) وهنا يظهر معنى ما أراده عمر في هذا القضية، والتيجاني
(1) صحيح البخاري كتاب المحاربين برقم (6442) .
(2) الفتح جـ12 ص (155) .