فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
الكامل
هجروا وخطب الهجر ليس يسير ... بدرٌ يسير البدرُ حيث يسير [1]
وبالتأمل في هذا المثال نجد يوسف الثالث تحدث في صدر البيت عن هجر حبيبته له ووصفَ الهجر بالخطب الجليل الذي لا يحتمله فهو (ليس يسير) على قلبه، ثم في عَجُز البيت شبّهَ حبيبتَه ببدر في الأرض يرتبط بها بدر السماء فيدور معها حيث دارت ويسير خلفها أنّى سارت.
وبالنظر إلى"يسير"الأولى و"يسير"الثانية مع ما بهما من معانٍ مختلفة تبدو في ظاهرها غير متلائمة وربما متنافرة، لكننا نجد فيها من الاتفاق والتجانس ما يلي:
أولا: هناك نوع من الربط بين اللفظتين ظاهر وقائم على مبدأ التشابه والتماثل في بنية الكلمتين (ي س ي ر) أَحْدثه هنا الجناس التام، كما أن مجيء اللفظتين في موضع يشبه التصريع أحدث نغما موسيقيا متطابقا كنوع من الترابط بين الشطرين.
ثانيا: الهجر الذي وصفه يوسف الثالث بأنه (ليس يسير) فيه معنى الترك والانتقال وهو المعنى نفسه الذي تحمله لفظة (حيث يسير) من مكان إلى مكان، وهذا أيضا نوع من الترابط والاتحاد.
وبالنظر إلى عجُز البيت نرى الشاعر قد جانس بين لفظتي (بدر الحبيبة) ، و (بدر القمر) على سبيل الجناس التام، فعلى الرغم من اختلافهما في المعنى والمدلول، إلا أنهما اتفقتا في اتحاد دلالتيهما في نفس الشاعر لأن كليهما يدلان على الجَمال، وسمو المكانة، وبُعد المكان بعد هجر الحبيبة له.
يظهر تحدي الشاعر نفسه حين ذكر أربع كلمات متجانسة جناسا تاما في بيت واحد، وجاءت كلها مترابطة ومتسقة مع المعاني المختلفة، من غير تكلف ولا تعقيد، مما يدلل على قدرة يوسف الثالث على الجمع والتأليف بين معاني متنافرة في ظاهرها، ومحققا الوحدة الموضوعية معتمدا في ذلك على وحدة العاطفة والشعور والإحساس؛ ومن الجناس التام أيضا:
(1) - الثالث، يوسف، الديوان، ص 76