فهرس الكتاب

الصفحة 185 من 317

الطويل

فيالك من فقدٍ أقام وجودَنا ... ووجْد هدانا بعد فقْد المطالب [1]

في هذا المثال: نجد يوسف الثالث قد جانس بين لفظتين (فقْد) بمعنى الفناء والمقصود فناء النفس كحالة صوفية تكون سببا في وجود الروح، و (فقْد) بمعنى ترك الملذات؛ ففي حالة الصفاء الروحي التي انتابته، يتحدث عن شوقه إلى الأيام الخوالي التي كان يسمو فيها بنفسه وتصفو روحه، مستخدما الشكل الصوفي في التعبير عن فقْد النفس وانعدام الشعور بالعالم الخارجي والتخلي عنها لإيجاد الروح، وافتقاده لذاك الصوت الداخلي الذي كان يدُلّه ويرشده في خلواته.

اللفظتان مختلفان في المعنى، مشتركتان ومتحدتان في الدلالة ألا وهي ضياع الشيء الذي يشتاق إليه الشاعر؛ وهذا من جماليات الجناس التام.

ومنه أيضا:

الطويل

تصدُّ عن الثغر الشنيب تَعزُّزا ... مُرابطُ ثغر [2] قصدُه ذلك الثغرُ

أليس بمأجورٍ مرابطُ ثغره ... فهل ليَ يوما من مراشفها أجرُ [3]

جانس يوسف الثالث بين لفظتي (الثغر) بمعنى الفم، و (الثغر) بمعنى مَرابط المجاهدين، على الرغم من اختلاف دلالة كل لفظة؛ إلا أنه جمع بينهما بطريقة سلسة رقيقة، نابعة من طبيعة المعنى الذي يُعبّر عنه الشاعر في إيجاد مشترك بينهما؛ ألا وهو الرباط أمام الثغر المنيع وصعوبة الوصول إليه ومنعته، فجاء الجناس كمحسن بديعي أصيل في إظهار المعنى وإثارة الذهن، وليس زينة شكلية زائدة لا قيمة لها.

(1) - المرجع السابق، ص 4

(2) - الفم، أو الأسنان. والثغر: هو الحد الفاصل بين بلاد المسلمين والكفار؛ وهو موضع المخافة من أطراف البلاد؛

انظر: ابن منظور، مرجع سابق، مادة"ثغر"، 4/ 103؛ والفيروزآبادي، مرجع سابق، مادة"ثغر"، ص 359

(3) - الثالث، يوسف، الديوان، ص 64

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت