منذ البيت الأول ويوسف الثالث قد قرع أسماعنا بالتأكيد على حالته النفسية وقلبه الكسير بـ (إنّ للهمّ) ، وفي نقلة إلى الموسيقى الداخلية في حرف (النون) نجده منتشرا بين ثنايا الأبيات فقد جاء (26) مرة بما فيها التشديد (إنّ) و (سنّ) ؛ والنون صوت مجهور أغن، يُشعر بالثقل الشديد عند قراءة (إنّ للهمّ) لوجود حرفان مشددان وقرب النون واللام.
مناسبة القافية ورويها لمضمون القصيدة واضح، وخلو القصيدة من التكلف بَيِّن خصوصا في غرض مثل الرثاء لأنه أصدق الأغراض وبخاصة عندما يتعلق بفلذة كبده، فالعفوية من جمال الأسلوب وتُقرِّب المعنى من المتلقي.
وفي غرض النسيب والشوق للحبيبة، نظم يوسف الثالث على روي (التاء) المهموس المطلق قائلا:
الطويل
ولو أنني أدركت سؤلي منكم ... برؤية عَين أو خيال سناتِ
لهان عليّ البعدُ منك تجلّدا ... وإن كان قلبي دائمَ الحسراتِ
ولكنني مُبلىً بِسرٍّ مكتّم ... تُترجِمُ عنه في الورى عبراتي [1]
روي (التاء) بجمعه صفتين متناقضتين"الانفجار والهمس" [2] يلائم حالة الصراع والتناقض بين كتم الحب ومخافة إظهاره، والهمس كصفة تتماهى تماما مع مضمون الأبيات وغرض الشاعر من النسيب هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى يتسق مع الإطار النفسي للشاعر، فهو رقيق يناسب رقة حبيبته؛ ومجيئ (التاء) "مخفوضة"جعل فيها نوعا من الإنكسار ليناسب حالة الشاعر النفسية في حالة البُعد، متماهيا مع لفظتي (حسراتِ، عبراتي) ؛ نكاد نسمع صوت الشاعر يخرج ضعيفا خافتا، دلل على ذلك الكلمات الأخيرة من كل بيت، والبيت الثالث كله مع مجيء روي كالتاء المخفوضة؛ وتكرار حرف التاء أضاف للروي جرسا موسيقيا، وحقق إيقاعا ونغما خاصا.
والحديث عن الروي يجرنا بالتبعية إلى الحديث عن أنواع القافية:
(1) - المرجع السابق، ص 17
(2) - بشر، كمال، علم اللغة العام، ط 9، (القاهرة، دار المعارف، 1986) ، ص 101