فهرس الكتاب

الصفحة 276 من 317

الكامل

فمن الجوائح حمرة لا تنطفئ ... ومن الجفون مواردٌ لا تُظمئ [1]

حقق يوسف الثالث جمالية شعرية، وإيقاعا موسيقيا رائعا؛ وبالتأمل في الشطرين نجد جمالية أخرى نشأت من خلال التوازي الحاصل بين الحروف والكلمات كما نرى:

ف/ من/ الجوائح/ حمرة/ لا/ تنطفئ ... و/ من/ الجفون/ مواردٌ/ لا/ تُظمئ

فالتشابه القائم على التماثل البنيوي في هذا البيت الشعري؛ هو التوازي بعينه؛ هذا التشابه بين المتوازيين باعتبارهما طرفين من السلسلة اللغوية؛ متعادلين في الأهمية من حيث المضمون والدلالة، ومتماثلين من حيث الشكل في التسلسل والترتيب، وبينهما علاقة متينة قائمة على أساس المشابهة.

جاء التوازي في هذا البيت على مستوى الحروف والكلمات والعبارات، وبملاحظة المستوى التركيبي نجده يخضع لتواز محكم ودقيق، في علاقة أفقية، ففي الشطر الأول: حرف عطف+ حرف جر+ اسم معرف بـ ال+ اسم نكرة+ حرف نفي+ فعل مضارع مع ضمير مستتر؛ وهو نفس التركيب نجده في الشطر الثاني من البيت، وهذا ما يعرف بالتوازي التركيبي.

تولد عن هذا التوازي إيقاع خاص مفعم بالحزن والألم عن طريق الموازاة بين الجملتين (فمن الجوائح حمرة، ومن الجفون مواردٌ) ؛ ثم من الفعلين المضارعين الدالين على الاستمرارية مع حرف النفي (لا تنطفئ ولا تُظمئ) اللذين يحملان دلالة نفسية مفادها عدم الثقة في توقف المصائب أو ارتقاء الدمع،"فالتراكيب النحوية في الشعر إذن تصبح ذات طابع جمالي تأثيري إلى جانب طبيعتها المعنوية والعلاقية" [2] .

وكان من إبداع يوسف الثالث أن كرر حرفا على الأقل في كل لفظتين متوازيتين فمثلا: (الجوائح، الجفون) نصف الكلمة مكرر فيهما (من، من) (لا، لا) ؛ تردد الحروف داخل الكلمات المتوازية خلق انسجاما صوتيا متوازنا وإيقاعا ونغما يشنف الآذان مكوِّنا التوازي الصوتي؛ وفي مثال آخر للتوازي الرأسي:

(1) - الثالث، يوسف، الديوان، ص 3

(2) - مفتاح، تحليل الخطاب الشعري، مرجع سابق، ص 26، 27

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت