يتذكر معالم غرناطة وربوعها داعيا لها بالسقيا على عادة الشعراء القدماء؛ مقررا أنه إنما أُبعِد عنها قصرا وجبرا ولم يكن له الخِيَرة من أمره؛ ومتسائلا هل يرتوي منها عطشه وهل سيعود إليها؟ وهذه أمنية أتت في صيغة سؤال للدلاة على أن حاضره مرٌّ ومستقبله مبهم.
وإلى أحبابه بغرناطة قصيدته المسماة لي الشوقُ إلفٌ والسهاد رفيق، وقدم لها بقوله:"تَذكَّرنا أيام المقام في ظاهر جبل الفتح أحباءنا والحالّين بأعز مكان من خلدنا، فساعدت الإجابة في نظمنا هذا:"
الطويل
لي الشوقُ إلفٌ والسهاد رفيق ... إذا ما جفا صحبٌ وخاس فريقُ
إلى أن يقول:
فيا ساكن الزوراء هل من تحية ... ولو مثل ما يُهدي الصديقَ صديقُ
بعيشك حملها الرياح لعلها ... تهبُّ ففي طيّ الضلوع حريقُ
لقد طال ترديدي وشوقي غالبٌ ... دمي أم دموعي ما عليك أريقُ
أنا ذلك المضني بحبك كلما ... تُذُوكر إلفٌ بالوداد خليق [1]
ليس ليوسف الثالث إلا الشوق والسهر إذا ما تغيرت نفوس الأصدقاء، وتبدل صفو القرب إلى كدر الفراق؛ وها هو ينادي حبيبته طالبا منها وحاثًا إياها أن ترسل له مع الرياح ولو تحية يعرف بها أنها ما زالت تذكره؛ ويتجه لوصف حاله من شوق يكاد يحرق قلبه وجدا عليها، وبكائه دما ودموعا عليها.
نلاحظ استخدامه (لقد، كلما) فاللام الموطئة للقسم المقرونة"بقد"تفيد التحقيق و"كلما"غير الجازمة تفيد التكرار والارتباط؛ فيقرر أن حاله قد ترسّخت فيها الألفة والودِّ والحب الصادق لغرناطة التي كنّى عنها باسم الزوراء ولحبيبته الساكنة بها؛ حتى يصل إلى:
(1) - المرجع السابق، ص 145، 146