فهرس الكتاب

الصفحة 253 من 760

الحديث بهذه الحكاية، والغالب على الظن عدم صحتها [1] ، وأنا أتَّهم بها أحمد بن حمدون القصَّار، راويها عن مسلم، فقد تُكلِّم فيه.

وهذا الحديث قد صححه الترمذي وابن حبان والحاكم، ويبعد أن البخاري يقول: إنه لا يعلم في الدنيا في هذا الباب غير هذا الحديث! [2] ، مع أنه قد ورد من حديث جماعة من الصحابة، غيرَ أبي هريرة وهم:

(1) -تعقبه تلميذه الحافظ ابن حجر في (النكت) (2\ 715) بقوله: (الحكاية صحيحة، قد رواها غير الحاكم على الصحة من غير نكارة .. ) ، ثم فصل ذلك وبيّنه وأيّده. انظر: (الباعث الحثيث) (1\ 206) .

(2) -علق على هذا الكلام الأستاذ أحمد بن فارس السلوم في هامش: (معرفة علوم الحديث وكمية أجناسه) (ص:362\ 363\364\رقم:274) بقوله: (هكذا وقع عند الحاكم:"ولا أعلم في الدنيا في هذا الباب غير هذا الحديث". وهو مشكل، فإنه لا تخفى أحاديث الباب على صغار الطلبة، فلعل الحاكم أخطأ في رواية هذه الجملة أو: رواها بالمعنى، أورواها من حفظه وهو الظاهر!.

فقد روى هذا الخبر الخليلي في (الإرشاد) (3\ 960) ، والخطيب في (التاريخ) (2\ 28\و 13\ 104) ، وابن نقطة في (التقييد) (ص:33) بلفظ: ولا أعلم بهذا الإسناد في الدنيا إلا هذا الحديث ... ويؤيد هذه الرواية ما جاء في (السنن الأبين) (ص:126) لابن رشيد، و (هدي الساري) (ص:488) ، فقال له مسلم:"تعرف بهذ الإسناد في الدنيا حديثًا".

وهذا الإسناد لا يتكرر، فإنه لا يعرف له ثانٍ، أعني رواية ابن جريج عن سهيل .. وقد استنكر العراقي هذه القصة، لأنه لم يقف إلا على لفظ المصنف هنا-وكلام الحافظ العراقي مذكور أعلا هذه الحاشية فانظره-كما في (التقييد والإيضاح) (ص:115) ، و (المغني عن حمل الأسفار في الأسفار) (2\ 193) ، و (الباعث الحثيث) (1\ 206) .

ونكت عليه الحافظ ابن حجر فقال: (1\ 716) : الحق أن البخاري لم يعبر بهذه العبارة، ثم ساق القصة من طريق المصنف، وقال: فيا عجباه من الحاكم كيف يقول هنا: إن له علة فاحشة ثم يغفل، فيخرج الحديث بعينه في (المستدرك) (1\ 537) ويصححه. ومن الدليل على أنه كان غافلًا في حال كتابته له في (المستدرك) عما كتبه في علوم الحديث أنه عقبه في (المستدرك) بأن قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم إلا أن البخاري أعله برواية وهيب عن موسى بن عقبة عن سهيل عن أبيه عن كعب بن الأحبار.

وهذا الذي ذكره لا وحود له عن البخاري، وإنما الذي أعله البخاري في جميع طرق هذه الحكاية هو الذي ذكره الحاكم أولًا، ثم ساق القصة بلفظ آخر: قال محمد بن إسماعيل هذا حديث مليح ولا أعلم بهذا الإسناد في الدنيا غير هذا إلا أنه معلول.

فقوله: لا أعلم بهذا الإسناد لا اعتراض فيه، بخلاف تلك الرواية التي فيها لا أعلم في الباب فإنه يتجه ما اعترض به الشيخ من أن في الباب عدة أحاديث غير هذا الباب .. ثم ذكر القصة من كتاب: (الإرشاد) للخليلي بسياق آخر. ثم قال (2\ 2\720) : على أن بعض المتأخرين من الحفاظ أول كلام الحاكم الذي في"علوم الحديث"فقال: الذي ينبغي أن يحمل عليه كلامه في هذه الرواية وغيرها أن يكون مراده بالباب رواية أبي هريرة عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-، وبالحديث طريق ابن جريج عن موسى بن عقبة عن سهيل عن أبي هريرة.

قال: وهو حمل متعسف ظاهر التكلف، فإنه روي من رواية أبي هريرة من غير هذا الوجه ... وقد أطال الحافظ الكلام عليه وعلى علته، وشواهده فطالعه في الموضع المزبور. ووجدت القصة عن الحاكم بسياق آخر صحيح لا غبار عليه، وهو ما ذكره التاج السبكي في (الطبقات) (2\ 9 - ط: دار المعرفة) والغساني في (تقييد المهمل) : قال الحاكم: سمعت أبا أحمد بن محمد الوراق يقول: سمعت أبا أحمد بن حمدون يقول: سمعت مسلم بن الحجاج وجاء إلى محمد بن إسماعيل البخاري فقبل بين عينيه وقال: دعني حتى أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين، وسيد المحدثين، ويا طبيب الحديث في علله، حدثك محمد بن سلام حدثنا محمد بن مخلد ابن يزيد الحراني قال: أخبرنا ابن جريج قال: حدثني موسى بن عقبة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-.

فقال البخاري: وحدثنا أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين قالا: حدثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج قال: حدثني (كذا) موسى بن عقبة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-في كقارة المجلس، أن يقول إذا قام من مجلسه: سبحانك ربنا وبحمدك.

فقال محمد بن إسماعيل: هذا حديث مليح ولا أعلم بهذا الإسناد في الدنيا حديثًا غير هذا، إلا أنه معلول. حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا وهيب، حدثنا سهيل، عن عون بن عبد الله قوله. قال محمد بن إسماعيل: هذا أولى ولا نذكر لموسى بن عقبة مسندًا عن سهيل. انتهى.

ورواه البخاري في (التاريخ الصغير) ، ثم قال: نا موسى عن وهيب، قال: نا سهيل، عن عون بن عبد الله بن عتبة قوله، وهذا أولى، ولم يذكر موسى بن عقبة سماعًا من سهيل، وهو سهيل بن ذكوان مولى جويرية .. الخ.

فقد وقع اختلاف بين الروايات عن البخاري، فالروايات الأولى عنه صيَّر الحديث مرسلًا عن سهيل، وفي رواية الحاكم في (التاريخ) التي نقلها السبكي وما ذكره البخاري في (التاريخ الصغير) ، جعله من كلام عون، فهذا خلاف في القصة، أشار ابن رشيد في (السنن الأبين) (ص:128) . والله أعلم).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت