وهذا-والله-ترجيح بمرجح قوي من الإمام أحمد-رحمه الله-لأنه يقدم قول الأعلم من الأئمة المختلفين كما يقدم قول الأحفظ ... وهذا من أعظم القرائن الدالة على الترجيح. فمن أهمل هذا فقد غلط وغالط.
والإمام مالك أثبت في الزهري من سفيان بن عيينة-رحمهم الله جميعًًا. وبرهان ما قلنا ما حكاه الإمام أحمد-رحمه الله-حيث قال: (كنت أنا وعلي بن المديني فذكرنا أثبتَ من يروي عن الزهري، فقال علي: سفيان بن عيينة وقلت أنا: مالك بن أنس، وقلت: مالك أقل خطأ عن الزهري وابن عيينة يخطئ في نحو من عشرين حديثًا عن الزهري في حديث كذا وحديث كذا، فذكرت منها ثمانية عشر حديثًا، وقلت: هاتِ ما أخطأ فيه مالك، فجاء بحديثين أو: ثلاثة، فرجعت فنظرت فيما أخطأ فيه ابن عيينة فإذا هي أكثر من عشرين حديثًا) .
وهذا دليل على الأئمة إذا تكلموا في الرواة ما كانوا يتكلمون فيه إلا بمفارقة في الحفظ والخطأ. ولذلك استنتجَ الإمام أحمد من هذه المقارنة أن مالكًا أثبت في الزهري من ابن عيينة [1] .
وقال أيضًا في (العلل ومعرفة الرجال) (2/ 348/349/رقم:2543) : ( ... قلت له: أيما أثبت أصحاب الزهري؟ فقال: لكل واحد منهم علة، إلا أن يونس وعقيلًا يؤديان الألفاظ، وشعيب بن أبي حمزة وليس هم مثل معمر، ومعمر يقاربهم في الإسناد.
قلت: فمالك؟ قال: مالك أثبت في كل شيء ولكن هؤلاء الكثرة كم عند مالك؟ ثلاثمائة حديث أو: نحو ذا، وابن عيينة نحو من ثلاثمائة حديث، ثم قال: هؤلاء الذين رووا عن الزهري الكثير يونس وعقيل ومعمر، قلت له: شعيب؟ قال: شعيب قليل، هؤلاء أكثر حديثًا عن الزهري.
(1) -انظر: (مسائل الإمام أحمد: العلل ومعرفة الرجال) (1/ 28) و (2/ 349/350/رقم:2543) و (الميزان) (2/ 17) .