وقد سبق أن قلنا-في مادة النحو-إن مما (ينبغي لكل شارع في فن من الفنون، وعلم من العلوم أن يتصور ذلك الفن، وأن يتصور ذلك العلم قبل الشروع فيه، ويتصوره بحده، وماهيته ورسمه ليكون على بصيرة، وعلى دراية، وبينة ومعرفة في طلبه لئلا يضل سعيه وعمله، إذ لو اندفع الطالب إلىأي فن من الفنون اندفاعًا عشوائيًا دون أن يضبط ويرجع إلى مبادئه العشر، فانه يخرج من الفن كما دخل بدون فائدة، ولذلك ينبغي للطالب أن يضبط المبادئ، وأن يعرف موضوعه ليمتاز عنده عما عداه، وأن يعرف غايته، وأن يعرف ثمرته التي من أجلها الطلب لصيانة سعيه عن العبث وإلا صار كما يقال:"كمن ركب متن عمياء، وخبط خبط ناقة عشواء، وخلط بين العلوم ومبادئها".
ولا يمكن أبدًا أن يتم ويَحْصُلَ هذا إلا بفهم مبادئ كل فن، وقد جمعها العلامةمحمد بن علي الصبان في قوله:
إن مبادئ كلِّ فنٍّ عشرهْ* الحدُّ والموضوع ثم الثمره
وفضلهُ ونسبةٌ، والواضعْ * والاسم الاستمداد حكم الشارع
مسائلٌ، والبعض بالبعض اكتفى* ومن درى الجميعَ حاز الشرف
كما جمعها أيضًا الشيخ بن زكري التلمساني صاحب:"مُحَصِّل المقاصد"في قوله:
فأول الأبواب في المبادي* وتلك عشرة على مرادي
الحد والموضوع ثم الواضع *والاسم الاستمداد حكم الشارع
تصور المسائل الفضيلة * ونسبة فائدة جليله
حق على طالب علم أن يحيط* بفهم ذي العشرة ميزها ينيط
بسعيه قبل الشروع في الطلب * بها يصير مبصرًا لما طلب