قال:"وما أحسن قوله: وما عساه، فإنه أشار به لفائدة جليلة يغفل عنها كثيرون، ويحترز منها الموفقون، وهي تطويل التراجم وتقصيرها."
فرب محتاط لنفسه لا يذكر إلا ما وجده منقولًا، ولكنه يأتي إلى مَن يبغضه فينقل جميعَ ما ذكر من مذامه، ويحذف كثيرًا مما يراه من ممادحه، ويعكس الحالَ فيمن يحبه، ويظن المسكين أنه لم يأت بذنب، فإنه لا يجب عليه تطويل ترجمة أحد، ولا استيفاء ما ذكر من ممادحه.
ولا يظن المغتر أن تقصيره لترجمته بهذه النية استزراء به، وخيانة لله ولرسوله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-وللمؤمنين في تأدية ما قيل في حقه من حمد وذم.
قلت: وهذا كمن يسمع الحكمة وغيرها فلا يحدث إلا بشر ما سمع ...
ثم قال التاج:"إن من يرتكب ما تقدم كمن يذكر بين يديه شخص، فيقول: دعونا منه، أو: إنه عجيب، أو: الله يصلحه، فيظن أنه لم يغتبه بشيء من ذلك، مع أنه من أقبح الغيبة".
قال:"وكذلك ما أحسنَ قولَه:"وأن لا يغلبه الهوى"، فإن الهوى غلاب، إلا من عصم الله. ولكن قد لا يتجرد عن الهوى، بأنه لا يظنه هوى، بل: يظنه لجهله أو: بدعته حقًا، فلا يتطلب حينئذ ما يقهر به هواه، لأن المستقر في ذهنه أنه محق."
وهذا كما يفعل كثير من المتخالفين في العقائد بعضُهم في بعض، فلا ينبغي أن يقبل قول مخالف في العقيدة على الإطلاق إلا أن يكون ثقة.
وقد روى شيئًا مضبوطًا عاينه أو: حققه، فقولنا:"مضبوطًا"، احترزنا به عن رواية ما يضبط من التُّرَّهات التي لا يترتب عليها عند التأمل والتحقق شيء.