وقد قال أبو الحسين بن فارس اللغوي: سمعت ابنَ العميد-الوزير الكبير، أبو الفضل، محمد بنُ الحسيِن بنِ محمد الكاتب، وزير الملك ركنِ الدولة الحسنِ بنِ بُويْه الدَّيْلَمِي [1] -يقول: (ما كنت أظن أنَّ في الدنيا حلاوةً كحلاوة الوزارة أو: الرياسة التي أنا فيها، أو: قال: ما كنت أظن أن في الدنيا حلاوةً ألَذَّ من الرئاسة والوزارة التي أنا فيها، حتى شاهدتُّ مذاكرةَ أبي القاسم الطبراني، وأبي بكر الْجِعَابي بحضرتي، فكان الطبرانيُّ يغلبه بكثرة حفظه، وكان أبو بكر يغلب بفطنته وذكائه [2] حتى ارتفعتْ أصواتُهما، ولا يَكاد أحدُهما يغلب صاحبَه، فقال الجِعَابي-رحمه الله تعالى-:(عندي حديث ليس في الدنيا إلا عندي) ، فقال الطبراني: (هات) ، فقال: (حدثنا أبو خليفة الْجُمَحِي، أنا [3] سليمانُ بنُ أيوب، وحدث بحديث) ، فقال الطبراني-رحمه الله تعالى: (أنا
(1) -قال الحافظ الذهبي-رحمه الله تعالى-في: (سير أعلام النبلاء) (16/ 137/138/رقم:93 - ترجمة: ابن العميد) : ( ... ) ، وفي: (تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام) ، و (العبر) (2/ 315/316) ، و (تذكرة الحفاظ) (3/ 912/917) ، و (دول الإسلام) (1/ 223) ، و (الميزان) (2/ 195/رقم:3423) ، و (لسانِه) (3/ 73/75) ، ونحوِها كثير.
(2) -الناس في العلم ثلاثة:
1 -منهم من يحفظ ولا يفهم،
2 -ومنهم من يفهم ولا يحفظ،
3 -ومنهم من لا يحفظ ولا يفهم
وهذا يشهد له حديث أبي موسى الأشعري-رضي الله عنه-قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-:(إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل غيث أصاب أرضًا، فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء-جمع أجدب، وهي الأرض الصلبة التي لا تنبت شيئًا، لأن صِلاب الأرض تمسك الماء لا تشربه سريعًا-، فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى، إنما هي قيعان-جمع قاع، وهي الأرض المستوية.
أو: المكان المستوي الواسع في وطأة من الأرض يعلوه ماء السماء فيمسكه ويستوي نباته-لا تمسك ماءً ولا تُنبت كلأً، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه الله بما بعثني به فعلِم وعلَّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هُدى الله الذي أرسلت به). رواه البخاري في: (صحيحه) (1/ 185) ، ومسلم (رقم:2282) .
قال الغزالي، وابن الجوزي، وابن قدامة-رحمهم الله تعالى-:(فانظر-رحمك الله-إلى هذا الحديث ما أوقعه على الخلق، فإن الفقهاء أولي الفهم، كمثل البقاع التي قبلت الماء فأنبتت الكلأ، لأنهم علموا وفهموا، وفرعوا وعلّموا.
وغاية الناقلين من المحدثين الذين لم يُرزقوا الفقه والفهم-وهذا النوع في المحدثين قليل جدًا-، أنهم كمثل الأجادب التي حفظت الماء فانتفع بما عندهم، وأما الذين سمعوا ولم يتعلموا ولم يحفظوا، فهم العوام الجهلة).
(3) -أنا: رمز إلى (أخبرنا) . انظر: (معجم علوم الحديث النبوي) (ص:53/رقم:114) .