فمن ذلك: أنهم يطلقون"الصحيح"، ويعنون: الصحة النسبية. أي: صحة الحديث بالنسبة إلى بعض رواته، لا إلى منتهاه، أو: بالنسبة إلى رواية أخرى تخالفها، وهذا يكثر في كتب العلل.
روى ابن عيينة، عن الزهري، عن أبي سلمة، قال: اشتكى أبو الردَّاد الليثي، فعاده عبد الرحمن بن عوف، فقال عبد الرحمن: سمعت رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- يقول: (قال الله: أنا الله، وأنا الرحمن، خلقت الرحم ... ) الحديث.
وخالفه معمر، فرواه عن الزهري: حدثني أبو سلمة، أن الرَّدَّاد الليثي أخبره، عن عبد الرحمن بن عوف به. قال الترمذي في (الجامع-1907) : (حديث سفيان عن الزهري حديث صحيح، ومعمر كذا يقول، قال محمد-يعني: البخاري-: وحديث معمر خطأ) .
فواضح أن الترمذي لا يعني أن الحديث صحيح بالنظر إلى نسبته إلى النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-، وإنما بالنسبة للزهري فقط، وذلك لأن أبا سلمة بن عبد الرحمن لم يسمع من أبيه، كما قال ذلك غير واحد [1] .
وسئل ابن معين-مرة-عن حديث أبي الصلت الهروي، عن أبي معاوية، الحديث المعروف: (أنا مدينة العلم وعلي بابها) فقال: (هو صحيح) !!!.
قال جبل هذا العلم الخطيب: (أراد أنه صحيح من حديث أبي معاوية، وليس بباطل، إذ قد رواه غير واحد عنه) [2] .
ومن ذلك: أنهم قد يطلقون اسم"الصحيح"على ما صحَّ من جهة معناه فحسب، وإن لم يصح من جهة الرواية.
حكى الترمذي في (العلل-ص:41) عن البخاري أنه قال في حديث أبي هريرة عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-في ماء البحر-: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) - قال الإمام ابن عبد البر [3] : (لا أدري ما هذا من البخاري-رحمه الله-؟
(1) -انظر: (السلسلة الصحيحة) (520) للمحدث الألباني.
(2) -انظر: (تاريخ بغداد) (11/ 49) . و (تاريخ دمشق) (12/ق:318 - فيه توضيح أكثر) .
(3) -كما في: (التمهيد) (16/ 218/219) .