إذ من عادة أكثر المحدثين الرواية عن كل من سمعوا منه، ولو كُلّفوا الثناء عليه لسكتوا وما فعلوا، فليس في مجرد الرواية من الراوي-دون التزام عادة أو: شرطٍ فيها-تصريح بالتعديل له أو: التزامٌ بذلك. فإن قيل: لو عرفه بالفسق ثم روى عنه كان غاشًا في الدين، قلنا: هو لم يوجب على غيره العمل بروايته، بل: قال: سمعت فلانًا قال: كذا. وقد صدق فيه.
ثم لعله لم يعرفه بفسق ولا عدالة، فروى عنه ووكلَ البحث إلى من أراد قبول خبره).
وقال العلامة الأصولي أبو البقاء الفُتُوحي الحنبلي في (المختصر المبتكر) وهو الشرح المسمى (الكوكب المنير في شرح مختصر التحرير) (ص:285) من الضميمة المتممة للكتاب المذكور: (وآخر مراتب التعديل: رواية عدل عادته أن لا يروي إلا عن عدل، وصورة ذلك: أنه متى روى الثقة عن شخص مجهول الحال، وكانت عادة ذلك الثقة أن لا يروي إلا عن عدل، فتكون روايته عن ذلك الشخص تعديلًا له) .
وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي-رحمه الله تعالى-في آخر (شرح الترمذي) -هو في (شرح علل الترمذي) له (ص:105) ، من طبعة بغداد-
اختلف الفقهاء وأهل الحديث في رواية الثقة عن رجل غير معروف، هل هي تعديل أم لا؟
حكى أصحابنا عن أحمد في ذلك روايتين، وحكوا عن الحنفية أنها تعديل، وعن الشافعية خلاف ذلك.
فالرواية الأولى عن أحمد: أن من عُرف أنه لا يروي إلا عن ثقة، فروايته عن إنسان تعديل له. ومن لم يُعرف منه ذلك فليس بتعديل.
وصرح به طائفة من محققي أصحابنا وأصحاب الشافعي.
قال أحمد في رواية الأثرم: (إذا روى الحديث عبد الرحمن بن مهدي عن رجل فهو حجة) .