فى خضم تلك الأحداث وفى الوقت الذى خضعت فيه بلاد الشام لمارك أنطونيو وعشيقته المصرية كليوباترا سنة 20 ق. م بعث الله زكريا نبيًا لبنى إسرائيل يدعوهم إلى العودة إلى تعاليم الدين القويم والتمسك بعقيدتهم في ذلك الوقت العصيب، فكان يدعوهم نهارًا ثم يأوى إلى محرابه متعبدًا لله، ولما بلغ من الكبر عتيا عهدت إليه إحدى نساء بنى إسرائيل وهى زوجة عمران التى يقول فيه تعالى (إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا [1] عهدت امرأة عمران تلك إلى زكريا بابنتها التى وهبتها لخدمة بيت الله ليتعهدها بالراعية حتى تشب متعبدة في ذلك الجو الروحى وكم كانت دهشته حينما كان يدخل عليها محراب عبادتها فيجد عندها رزقًا وطعامًا لم يقدمه لها فيقول لها (يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ (، وكم كان زكريا يتمنى الولد في ذلك الوقت فتوجه على الفور إلى ربه (رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً (واستجاب الله له ووهب له يحيى بعد أن كان قد يئس من الإنجاب حين بلغ من الكبر عتيا ومنَّ الله عليهما بالنبوة ليسير يحيى على طريق النور مع أبيه لتقويم بنى إسرائيل.
حين استولى مارك أنطونيوا سنة 40 ق. م على بلاد الشام وفلسطين عزل الأسرة المكابية عن حكم اليهود وجعل مقامها الأسرة الهيرودية بزعامة [هيرودس] [2] وفى عام 37 ق. م كان هيرودس قد وطد حكمه في أورشليم كنائب عن روما ولكن كملك للبلاد ويبدوا لى أن الذى ساعده على ذلك هو انشغال مارك انطونيو وكليوباترا بالصراع مع [أوكتافيون] القائد الرومانى الآخر المنافس لأنطونيو.
و بعد أن قوى هيرودس سلطانه وبسط نفوذه على البلاد شرع من جديد في بناء هيكل لليهود عوضًا عن هيكل سليمان الذى دمر من قبل، ولم يكن هذا الهيكل قرينًا لهيكل سليمان ولا أظن ذلك على الإطلاق نظرًا لحقارة إمكانيات هذا
(1) سورة آل عمران آية 35.
(2) تاريخ سوريا ولبنان وفلسطين ص 311.