الكثيرون منهم ذلك الأمر وارتدوا عائدين ولم يبقَ منهم سوى ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا هم الصفوة.
و اتجه شاؤل بتلك القلة ليحارب بهم أعدائه فلم تراءت الفئتان ورأى بنو إسرائيل كثرة أعدائهم بقيادة قائدهم الرهيب جليات"جالوت"فزع الجميع واضطربت صفوفهم (قَالُوا لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ [1] فلما بدا عليهم الرعب أخذ جنود جليات يسبونهم ويستهينون بأمرهم ولم يجرؤ أحد من بنى إسرائيل على التقدم نحو ساحة القتال، وطلب جليات أن يبارزه أحد منهم فلم يجبه أحدٌ؛ ومَنْ منهم يجرؤ على نزاله؟.
كان داود عليه السلام فتى صغيرًا يرعى أغنام قومه في خضم تلك الأحداث المخزية لبنى إسرائيل وكان إخوته ممن اشتركوا في تلك المعارك وأراد داود يومًا أن يطمئن على حياة إخوته فغادر مدينة بيت لحم حيث يقيم وتوجه إلى حيث يوجد الجيش، وتعجب الفتى الصغير مما رأى وعزَّ عليه ذِلَّة قومه وهوانهم أمام أعدائهم حيث عدموا الشجاعة وعزت عليهم أنفسهم وأحبوا الحياة أكثر مما يجب فأصابهم الجبن والهلع ولم يجرؤ أحد منهم على التصدى لجالوت حين ينادى فيهم علَّه يجد فيهم من يقوى على مصارعته، وأنى لهم ذلك، إنهم أضعف وأهون، وكيف يجود أحدهم بنفسه ولم يكن الإيمان قد تمكن منهم بعد، ذلك الإيمان الذى يجعل الحياة تهون في سبيل مجد أزلى وشرف يدوم أبد الآبدين.
إن أرجلهم لا تكاد تقوى على حملهم ترتعد فرائصهم وتزوغ أعينهم خشية من الموت المحتوم الذى يكادون أن يروه في أعين أعدائهم وعلى أطراف سيوفهم ورماحهم. خائفون لا أحد يجرؤ على ملاقاته أو أدنى تفكير في إمكان ذلك الأمر. لكن داود سرت في نفسه نخوة الرجولة والشجاعة فتسلل بين الصفوف حتى وصل إلى قائد قومه"طالوت"وطلب منه السماح له بمبارزة جالوت، جبار
(1) سورة البقرة آية 249.