ومن العجيب أن النبوة والرسالة ظلت في أصلابهم قرونًا عدة فحينما يحيدون عن الطريق القويم يبعث الله فيهم من يعيدهم إلى جادة الطريق أو يحاول إصلاحهم ما استطاع إلى ذلك سبيلًا لكنهم على الدوام متمردون زعمًا منهم أنهم خيرة الناس في الأرض! وأنى لهم ذلك؟!
و كان دأب اليهود وأملهم أن تختم الرسالات السماوية في أصلابهم على الرغم من فسادهم الدائم وتمردهم على أنبيائهم عبر الزمان وعلى الدوام يكيدون للأنبياء وللشعوب المحيطة بهم في نرجسية مطلقة لا حياة إلا لهم والموت لغيرهم في كل الأحوال.
ولما ظهر الإسلام في قلب الجزيرة العربية وظهر محمد (الذى ينتهى نسبه إلى إسماعيل بن إبراهيم سُقط في أيديهم فقد خرجت الرسالة عن نسل إسحاق ويعقوب وعلى الرغم من أن الجد واحد هو إبراهيم إلا أنهم لم يعجبهم الأمر وكأنهم يوزعون الرسالات حسب أهوائهم وعجبًا لهم (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ [1] وعلى الرغم من وجود الأدلة والبراهين على صدق نبوته فقد قال لهم عيسى من قبل (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَاتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ [2] وفى الحديث(لى خمسة أسماء أنا محمد وأنا أحمد ... ) [3] وكانت معارضتهم له شديدة لم يلق لها مثيلًا مما دفعه (إلى قوله(لو آمن بى عشرة من اليهود لآمن اليهود) [4] .
و قد وصفهم الذكر الحكيم (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا [5] ، فهم أشد الناس عداوة للإسلام والمسلمين ولقد حذر الإسلام من عداوتهم واحتيالهم في الكيد للإسلام ومن ذلك قولهم للرسول (أنت راعنا بمعنى من يتولى أمرنا وهو معناها الظاهرى، لكنهم يعنون بها الشر، فـ
(1) سورة الزخرف آية 32.
(2) سورة الصف آية 6.
(3) أخرجه البخارى ومسلم.
(4) فتح البارى ج 7 ص 321.
(5) سورة المائدة آية 82.