وبذلك فإن الإقرار ليس على مرتبة واحدة، بل هو على مراتب: أعلاها أن يكون الفعل في حضرة النبي - صلى الله عليه وسلم - ويليها: أن يكون الفعل في غيبته وينقل لنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علم به، ويليها: أن يكون الفعل في غيبته - صلى الله عليه وسلم - لكن لا ينقل إلينا أنه علمه، ولكل مرتبة من تلك المراتب حكمها، وسوف يتبين هذا من خلال ما سيأتي من مطالب.
الإقرار - من حيث الجملة - حجة شرعية، فهو يدل على إذن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الفعل للشخص الذي أقره عليه، وعلى هذا اتفاق الأصوليين، وقد نقل هذا الاتفاق أكثر من واحد، فمن ذلك قول الجويني:"اتفق الأصوليون على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قرر إنسانًا على فعل فتقريره إياه يدل على أنه غير محظور" [1] ، وكذلك أيضًا قال ابن حجر:"اتفقوا على أن تقريره - صلى الله عليه وسلم - لما يفعل بحضرته أو يقال ويطلع عليه بغير إنكار دال على الجواز" [2] ، وكذلك ما قاله القاضي عياض [3] :"من جوز الصغائر، ومن نفاها عن نبينا - صلى الله عليه وسلم - مجمعون أنه لا يقر"
(1) التلخيص في أصول الفقه (2/ 246 / 915) لأبي المعالي الجويني، تحقيق: د. عبد الله جولم النيبالي، شبير أحمد العمري، ط. الثانية (1428 هـ - 2007 م) ، دار البشائر الإسلامية.
(2) فتح الباري (13/ 335) .
(3) هو: شيخ الإسلام العلامة الحافظ القاضي أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض بن عمرو اليحصبي الأندلسي ثم السَّبتي المالكي، ولد سنة (476 هـ) وكان إمام الحديث في وقته وأعرف الناس بعلومه وبالنحو واللغة العربية وكلام العرب وأنسابهم، توفي سنة (544 هـ) . =