ككلام بقية البشر بل كلامه معصوم، قال تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3، 4] .
ومعلومٌ أن التكاليف الشرعية ما هي إلا طلب فعلٍ أو تركٍ، وغالب تلك التكاليف ما عُلم إلا من قول النبي - صلى الله عليه وسلم -، حيث إنّ القرآن لم يحتوِ على كثيرٍ من الأحكام المفصلة؛ بل تعرض لها إجمالًا، وبينت السنة ذلك الإجمال، وفسرته بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهذا أمر معلوم، لا يخفى على أحد.
وكما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - مشرعًا بقوله فقد كان مشرعًا بفعله، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي ويقول للناس:"صلوا كما رأيتموني أصلي" [1] ، ويُعَلِّم الناس مناسك مناسك الحج بفعله، ويرشدهم إلى الاقتداء به، ويقول:"لتأخذوا مناسككم" [2] ؛ أي: عَنِّي.
ولذا كان تعريف السنة عند علماء الأصول متضمنًا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - وفعله - المتضمن للإقرار - المبين للأحكام.
وإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - مشرعًا بالفعل؛ فهل كان مشرعًا بالترك كذلك؟
لقد ورد في السنة ما يشير إلى أنه - صلى الله عليه وسلم - كان قاصدًا الترك، فعن عائشة - رضي الله عنها - قالت:"إن كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليدع العمل، وهو يحب أن يعمل به"
(1) رواه البخاري (2/ 131 - 132/ 631) كتاب الأذان، باب الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعة والإقامة، وكذلك بعرفة وجمع وقول المؤذن:"الصلاة في الرحال"في الليلة الباردة أو المطيرة: من حديث مالك بن الحويرث - رضي الله عنه -.
(2) رواه مسلم (2/ 943 / 1297) كتاب الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبًا، من حديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنه -.