(وَيُبَاحُ تَرْكُهُ) بِنِيَّةِ التَّرَخُّصِ (لِلْمَرِيضِ) بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ (إذَا وَجَدَ بِهِ ضَرَرًا شَدِيدًا) وَهُوَ مَا يُبِيحُ التَّيَمُّمَ، وَهَذَا مَا فِي الشَّرْحَيْنِ وَالرَّوْضَةِ، وَعِبَارَةُ الْمُحَرَّرِ لِلْمَرِيضِ الَّذِي يَصْعُبُ عَلَيْهِ أَوْ يَنَالُ بِهِ ضَرَرًا شَدِيدًا فَاقْتَضَى الِاكْتِفَاءَ بِأَحَدِهِمَا، وَهُوَ كَمَا قَالَ الْإِسْنَوِيُّ الصَّوَابُ. قَالَ تَعَالَى: ( {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} ) وَقَالَ تَعَالَى: ( {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} ) وَسَوَاءٌ أَتَعَدَّى بِسَبَبِ الْمَرَضِ أَمْ لَا. ثُمَّ إنْ كَانَ الْمَرَضُ مُطْبِقًا فَلَهُ تَرْكُ النِّيَّةِ بِاللَّيْلِ أَوْ مُتَقَطِّعًا كَأَنْ كَانَ يُحَمُّ وَقْتًا دُونَ وَقْتٍ نَظَرَ إنْ كَانَ مَحْمُومًا وَقْتَ الشُّرُوعِ جَازَ لَهُ تَرْكُ النِّيَّةِ، وَإِلَّا فَعَلَيْهِ أَنْ يَنْوِيَ، وَإِنْ عَادَ الْمَرَضُ وَاحْتَاجَ إلَى الْإِفْطَارِ أَفْطَرَ، وَيَجِبُ الْفِطْرُ إذَا خَشِيَ الْهَلَاكَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ وَجَزَمَ بِهِ الْأَذْرَعِيُّ، وَلِمَنْ غَلَبَهُ الْجُوعُ أَوْ الْعَطَشُ حُكْمُ الْمَرِيضِ.
وَيَحْرُمُ تَنَاوُلُ مَا يَضُرُّ الْبَدَنَ أَوْ الْعَقْلَ كَالْحَجَرِ وَالتُّرَابِ وَالزُّجَاجِ وَالسُّمِّ بِتَثْلِيثِ السِّينِ، وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ كَالْأَفْيُونِ، وَهُوَ لَبَنُ الْخَشْخَاشِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُضِرٌّ، وَرُبَّمَا يَقْتُلُ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} لَكِنَّ قَلِيلَهُ يَحِلُّ تَنَاوُلُهُ لِلتَّدَاوِي بِهِ إنْ غَلَبَتْ السَّلَامَةُ وَاحْتِيجَ إلَيْهِ كَمَا فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ.
وفي دقائق أولي النهى:
(وَيَجِبُ) الدَّفْعُ (عَنْ حُرْمَتِهِ) إذَا أُرِيدَتْ نَصًّا فَمَنْ رَأَى مَعَ امْرَأَتِهِ أَوْ بِنْتِهِ وَنَحْوِهَا رَجُلًا يَزْنِي بِهَا أَوْ مَعَ وَلَدِهِ وَنَحْوَهُ رَجُلًا يَلُوطُ بِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ قَتْلُهُ إنْ لَمْ يَنْدَفِعْ بِدُونِهِ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي بِهِ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الْكَفِّ عَنْ الْفَاحِشَةِ وَحَقَّ نَفْسِهِ بِالْمَنْعِ عَنْ أَهْلِهِ فَلَا يَسَعُهُ إضَاعَةُ الْحَقَّيْنِ (وَكَذَا) يَجِبُ الدَّفْعُ (فِي غَيْرِ فِتْنَةٍ عَنْ نَفْسِهِ) لقوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} فَكَمَا يُحَرَّمُ عَلَيْهِ قَتْلُ نَفْسِهِ يُحَرَّمُ عَلَيْهِ إبَاحَةُ قَتْلِهَا (وَ) كَذَا يَجِبُ الدَّفْعُ فِي غَيْرِ فِتْنَةٍ عَنْ (نَفْسِ غَيْرِهِ) لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ مِنْهُ إيثَارُ الشَّهَادَةِ وَكَإِحْيَائِهِ بِبَذْلِ طَعَامِهِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ فَإِنْ كَانَ ثَمَّ فِتْنَةٌ لَمْ يَجِبْ الدَّفْعُ عَنْ نَفْسِهِ وَلَا نَفْسِ غَيْرِهِ لِقِصَّةِ عُثْمَانَ رضي الله عنه
(وَيَحْرُمُ نَجِسٌ كَدَمٍ وَمَيْتَةٍ) لقوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ} (وَ) يَحْرُمُ (مُضِرٌّ كَسُمٍّ) لقوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} وَالسُّمُّ مِمَّا يَقْتُلُ غَالِبًا، وَلِذَا عُدَّ مُطْعِمُهُ لِغَيْرِهِ قَاتِلًا. وَفِي الْوَاضِحِ الْمَشْهُورُ أَنَّ السُّمَّ نَجِسٌ وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِأَكْلِهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ الذِّرَاعِ الْمَسْمُومَةِ وَنَحْوِ السَّقَمُونْيَا وَالزَّعْفَرَانِ يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ عَلَى وَجْهٍ يَضُرُّ، وَيَجُوزُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَضُرُّ لِقِلَّةٍ أَوْ إضَافَةِ مَا يُصْلِحُهُ (وَ) يَحْرُمُ (مِنْ حَيَوَانِ الْبَرِّ حُمُرٌ أَهْلِيَّةٌ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ" {أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَأَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَفِيلٍ) قَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ هُوَ مِنْ أَطْعِمَةِ الْمُسْلِمِينَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: هُوَ مَسْخٌ، وَلِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِهَا نَابًا، وَلِأَنَّهُ مُسْتَخْبَثٌ فَيَدْخُلُ فِي قوله تعالى: {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ} . (وَ) يَحْرُمُ (مَا يَفْتَرِسُ بِنَابِهِ) أَيْ يَنْهَشُ (كَأَسَدٍ وَنَمِرٍ وَذِئْبٍ وَفَهْدٍ وَكَلْبٍ وَخِنْزِيرٍ وَقِرْدٍ وَدُبٍّ وَنِمْسٍ وَابْنِ آوَى وَابْنِ عِرْسٍ وَسِنَّوْرٍ مُطْلَقًا) أَيْ: أَهْلِيًّا كَانَ أَوْ بَرِّيًّا، وَمِنْ أَنْوَاعِهِ التَّفَّة لِلْحَدِيثَيْنِ (وَثَعْلَبٌ وَسِنْجَابٌ وَسَمُّورٌ وَفَنَكٌ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالنُّونِ لِأَنَّهَا مِنْ السِّبَاعِ ذَوَاتِ النَّابِ، فَتَدْخُلُ فِي عُمُومِ النَّهْيِ (سِوَى ضَبُعٍ) لِعُمُومِ الرُّخْصَةِ فِيهِ عَنْ سَعْدٍ وَابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ"مَا زَالَتْ الْعَرَبُ تَاكُلُ الضَّبُعَ لَا تَرَى بِأَكْلِهِ بَاسًا"وَلِحَدِيثِ جَابِرٍ {أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِأَكْلِ الضَّبُعِ قُلْت هِيَ صَيْدٌ؟ قَالَ نَعَمْ.} احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ. . وَرُوِيَ مِنْ طُرُقٍ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ تُؤَدِّي ذَلِكَ. وَرَوَى بَعْضَهَا أَبُو دَاوُد وَبَعْضَهَا التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: حَسَنٌ"