5 -وَاسْتِحْيَاءُ نَفْسِهِ مُقَدَّمٌ عَلَى اسْتِحْيَاءِ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ نَفْسِهِ عَلَيْهِ فَوْقَ حُرْمَةِ نَفْسٍ أُخْرَى، وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ كَانَ إثْمُهُ أَكْثَرَ مِمَّنْ قَتَلَ غَيْرَهُ، وَمِنْ هُنَا قَرَّرَ الْفُقَهَاءُ أَنَّ الْمَرْءَ يُكَلَّفُ بِالْإِنْفَاقِ عَلَى نَفْسِهِ أَوَّلًا، ثُمَّ عَلَى غَيْرِهِ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي النَّفَقَاتِ (ر: نَفَقَةٌ) ، وَكَمَنْ اُضْطُرَّ إلَى طَعَامِ غَيْرِهِ اسْتِحْيَاءً لِنَفْسِهِ، وَصَاحِبُ الطَّعَامِ مُضْطَرٌّ لِطَعَامِهِ اسْتِحْيَاءً لِنَفْسِهِ أَيْضًا، فَصَاحِبُ الطَّعَامِ أَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْرِهِ.
إكْرَاهٌ التَّعْرِيفُ:
1 -قَالَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ: أَكْرَهْته، حَمَلْته عَلَى أَمْرٍ هُوَ لَهُ كَارِهٌ - وَفِي مُفْرَدَاتِ الرَّاغِبِ نَحْوُهُ - وَمَضَى صَاحِبُ اللِّسَانِ يَقُولُ: وَذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْكُرْهَ وَالْكَرْهَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ الْعَزِيزِ، وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي فَتْحِ الْكَافِ وَضَمِّهَا. قَالَ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى: وَلَا أَعْلَمُ بَيْنَ الْأَحْرُفِ الَّتِي ضَمَّهَا هَؤُلَاءِ وَبَيْنَ الَّتِي فَتَحُوهَا فَرْقًا فِي الْعَرَبِيَّةِ، وَلَا فِي سُنَّةٍ تُتْبَعُ.
وَفِي الْمِصْبَاحِ الْمُنِيرِ:"الْكَرْهُ (بِالْفَتْحِ) : الْمَشَقَّةُ، وَبِالضَّمِّ: الْقَهْرُ، وَقِيلَ: (بِالْفَتْحِ) : الْإِكْرَاهُ،"وَبِالضَّمِّ"الْمَشَقَّةُ. وَأَكْرَهْته عَلَى الْأَمْرِ إكْرَاهًا: حَمَلْته عَلَيْهِ قَهْرًا. يُقَالُ: فَعَلْته كَرْهًا"بِالْفَتْحِ"أَيْ إكْرَاهًا - وَعَلَيْهِ قوله تعالى: {طَوْعًا أَوْ كَرْهًا} فَجَمَعَ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ."
وَلَخَصَّ ذَلِكَ كُلَّهُ فُقَهَاؤُنَا إذْ قَالُوا: الْإِكْرَاهُ لُغَةً: حَمْلُ الْإِنْسَانِ عَلَى شَيْءٍ يَكْرَهُهُ، يُقَالُ: أَكْرَهْت فُلَانًا إكْرَاهًا: حَمَلْته عَلَى أَمْرٍ يَكْرَهُهُ. وَالْكَرْهُ"بِالْفَتْحِ"اسْمٌ مِنْهُ (أَيْ اسْمُ مَصْدَرٍ) . أَمَّا الْإِكْرَاهُ فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ فَهُوَ: فِعْلٌ يَفْعَلُهُ الْمَرْءُ بِغَيْرِهِ، فَيَنْتَفِي بِهِ رِضَاهُ، أَوْ يَفْسُدُ بِهِ اخْتِيَارُهُ. وَعَرَّفَهُ الْبَزْدَوِيُّ بِأَنَّهُ: حَمْلُ الْغَيْرِ عَلَى أَمْرٍ يَمْتَنِعُ عَنْهُ بِتَخْوِيفٍ يَقْدِرُ الْحَامِلُ عَلَى إيقَاعِهِ وَيَصِيرُ الْغَيْرُ خَائِفًا بِهِ. أَوْ هُوَ: فِعْلٌ يُوجَدُ مِنْ الْمُكْرِهِ (بِكَسْرِ الرَّاءِ) فَيُحْدِثُ فِي الْمَحَلِّ (أَيْ الْمُكْرَهِ بِفَتْحِ الرَّاءِ) مَعْنًى يَصِيرُ بِهِ مَدْفُوعًا إلَى الْفِعْلِ الَّذِي طُلِبَ مِنْهُ. وَالْمَعْنَى الْمَذْكُورُ فِي هَذَا التَّعْرِيفِ، فَسَّرُوهُ بِالْخَوْفِ، وَلَوْ مِمَّا يَفْعَلُهُ الْحُكَّامُ الظَّلَمَةُ بِالْمُتَّهَمِينَ كَيْدًا. فَإِذَا كَانَ الدَّافِعُ هُوَ الْحَيَاءُ مَثَلًا، أَوْ التَّوَدُّدُ، فَلَيْسَ بِإِكْرَاهٍ.
2 -وَالْفِعْلُ - فِي جَانِبِ الْمُكْرِهِ (بِكَسْرِ الرَّاءِ) لَيْسَ عَلَى مَا يَتَبَادَرُ مِنْهُ مِنْ خِلَافِ الْقَوْلِ، وَلَوْ إشَارَةَ الْأَخْرَسِ، أَوْ مُجَرَّدَ الْكِتَابَةِ، بَلْ هُوَ أَعَمُّ، فَيَشْمَلُ التَّهْدِيدَ - لِأَنَّهُ مِنْ عَمَلِ اللِّسَانِ - وَلَوْ مَفْهُومًا بِدَلَالَةِ الْحَالِ مِنْ مُجَرَّدِ الْأَمْرِ: كَأَمْرِ السُّلْطَانِ أَوْ الْأَمِيرِ، وَأَمْرِ قَاطِعِ الطَّرِيقِ، وَأَمْرِ الْخَانِقِ الَّذِي يَبْدُو مِنْهُ الْإِصْرَارُ. وَالْحَنَفِيَّةُ يَقُولُونَ: أَمْرُ السُّلْطَانِ، إكْرَاهٌ - وَإِنْ لَمْ يَتَوَعَّدْ - وَأَمْرُ غَيْرِهِ لَيْسَ بِإِكْرَاهٍ، إلَّا أَنْ يَعْلَمَ تَضَمُّنَهُ التَّهْدِيدَ بِدَلَالَةِ الْحَالِ. وَغَيْرُ الْحَنَفِيَّةِ يُسَوُّونَ بَيْنَ ذَوِي الْبَطْشِ وَالسَّطْوَةِ أَيًّا كَانُوا، وَصَاحِبُ الْمَبْسُوطِ نَفْسُهُ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ يَقُولُ: إنَّ مِنْ عَادَةِ الْمُتَجَبِّرِينَ التَّرَفُّعَ عَنْ التَّهْدِيدِ بِالْقَتْلِ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يُعَاقِبُونَ مُخَالِفِيهِمْ إلَّا بِهِ.
3 -ثُمَّ الْمُرَادُ بِالْفِعْلِ الْمَذْكُورِ - فِعْلٌ وَاقِعٌ عَلَى الْمُكْرَهِ (بِالْفَتْحِ) نَفْسِهِ - وَلَوْ كَانَ تَهْدِيدًا بِأَخْذِ أَوْ حَبْسِ مَالِهِ الَّذِي لَهُ وَقْعٌ، لَا التَّافِهِ الَّذِي لَا يُعْتَدُّ بِهِ، أَوْ تَهْدِيدًا بِالْفُجُورِ بِامْرَأَتِهِ إنْ لَمْ يُطَلِّقْهَا. وَيَسْتَوِي التَّهْدِيدُ الْمُقْتَرِنُ بِالْفِعْلِ الْمُهَدَّدِ بِهِ - كَمَا فِي حَدِيثِ: أَخَذَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ، وَغَطَّهُ فِي الْمَاءِ لِيَرْتَدَّ. وَالتَّهْدِيدُ الْمُجَرَّدُ، خِلَافًا لِمَنْ لَمْ يَعْتَدَّ بِمُجَرَّدِ التَّهْدِيدِ، كَأَبِي إسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ، وَاعْتَمَدَ. الْخِرَقِيُّ مِنْ الْحَنَابِلَةِ، تَمَسُّكًا بِحَدِيثِ عَمَّارٍ هَذَا، وَاسْتَدَلَّ الْآخَرُونَ بِالْقِيَاسِ حَيْثُ لَا فَرْقَ، وَإِلَّا تَوَصَّلَ الْمُعْتَدُونَ إلَى أَغْرَاضِهِمْ - بِالتَّهْدِيدِ الْمُجَرَّدِ - دُونَ تَحَمُّلِ تَبَعَةٍ، أَوْ هَلَكَ الْوَاقِعُ عَلَيْهِمْ هَذَا التَّهْدِيدُ إذَا رَفَضُوا الِانْصِيَاعَ لَهُ، فَكَانَ إلْقَاءَ بِالْأَيْدِي فِي التَّهْلُكَةِ، وَكِلَاهُمَا مَحْذُورٌ لَا يَاتِي الشَّرْعُ بِمِثْلِهِ. بَلْ فِي الْأَثَرِ عَنْ عُمَرَ - وَفِيهِ انْقِطَاعٌ - مَا يُفِيدُ هَذَا التَّعْمِيمَ: ذَلِكَ أَنَّ رَجُلًا فِي عَهْدِهِ تَدَلَّى يَشْتَارُ (يَسْتَخْرِجُ) عَسَلًا، فَوَقَفَتْ امْرَأَتُهُ عَلَى الْحَبْلِ، وَقَالَتْ: طَلِّقْنِي ثَلَاثًا، وَإِلَّا قَطَعْته، فَذَكَّرَهَا اللَّهَ وَالْإِسْلَامَ، فَقَالَتْ: لَتَفْعَلَن، أَوْ لَأَفْعَلَن،