فِي تَغْيِيرِ خُطَطِهِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ فِي تَغْيِيرِ الْمَكَانِ، أَمْ فِي التَّرَاجُعِ لِيَسْحَبَ الْعَدُوَّ وَرَاءَهُ، وَيُعَاوِدَهُ بِالْهُجُومِ عَلَيْهِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ، مِمَّا يُطْلَقُ عَلَيْهِ (الْخُدَعَ الْحَرْبِيَّةَ) فَإِنَّهُ يُبَاحُ لَهُ ذَلِكَ، إذْ الْحَرْبُ خُدْعَةٌ. أَمَّا لِغَيْرِ ذَلِكَ فَلَا يَحِلُّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا.
3 -التَّحَيُّزُ مُبَاحٌ، إذَا اسْتَشْعَرَ الْمُتَحَيِّزُ عَجْزًا مُحْوِجًا إلَى الِاسْتِنْجَادِ بِغَيْرِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ بِقَصْدِ الِانْضِمَامِ إلَى فِئَةٍ، أَيْ جَمَاعَةٍ مِنْ النَّاسِ، لِيَتَقَوَّى بِهِمْ عَلَى مُحَارَبَةِ عَدُوِّهِمْ وَإِيقَاعِ الْهَزِيمَةِ بِهِ وَالنَّصْرِ عَلَيْهِ. فَإِذَا انْتَفَى ذَلِكَ يَكُونُ فِرَارًا، وَهُوَ حَرَامٌ، لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمْ الْأَدْبَارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ وَمَاوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} . فَإِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمُونَ وَالْكُفَّارُ فِي الْحَرْبِ وَالْتَحَمَ الْجَيْشَانِ، وَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ كَأَصْلٍ عَامٍّ أَنْ يَثْبُتُوا فِي مُوَاجَهَةِ عَدُوِّهِمْ، وَحَرُمَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَفِرُّوا، لقوله تعالى: {فَلَا تُوَلُّوهُمْ الْأَدْبَارَ} . وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} .
4 -وَعَدَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْفِرَارَ عِنْدَ الزَّحْفِ مِنْ الْكَبَائِرِ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ مِنْهَا: مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: {اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: الشِّرْكُ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى إلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ} . فَثَبَاتُ الْمُسْلِمِينَ فِي مُوَاجَهَةِ أَعْدَائِهِمْ الْكَفَرَةِ وَحُرْمَةُ فِرَارِهِمْ مِنْ لِقَائِهِمْ وَاجِبٌ، إذَا كَانُوا فِي مِثْلِ عَدَدِهِمْ أَوْ عَلَى النِّصْفِ مِنْهُمْ أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، لقوله تعالى: {فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاَللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} . إلَّا إنْ كَانَ ذَلِكَ بِقَصْدِ تَحَيُّزِهِمْ إلَى فِئَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ تُنَاصِرُهُمْ وَتَشُدُّ مِنْ أَزْرِهِمْ وَيَتَقَوَّوْنَ بِهَا عَلَى أَعْدَائِهِمْ، وَسَوَاءٌ أَكَانَتْ هَذِهِ الْفِئَةُ قَرِيبَةً لَهُمْ أَمْ بَعِيدَةً عَنْهُمْ، لِعُمُومِ قوله تعالى: {أَوْ مُتَحَيِّزًا إلَى فِئَةٍ} قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: لَوْ كَانَتْ الْفِئَةُ بِخُرَاسَانَ وَالْفِئَةُ بِالْحِجَازِ جَازَ التَّحَيُّزُ إلَيْهَا، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: {إنِّي فِئَةٌ لَكُمْ} وَكَانُوا بِمَكَانٍ بَعِيدٍ عَنْهُ. وَقَالَ عُمَرُ:"أَنَا فِئَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ"وَكَانَ بِالْمَدِينَةِ وَجُيُوشُهُ بِالشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ. وَقَالَ عُمَرُ: رَحِمَ اللَّهُ أَبَا عُبَيْدَةَ لَوْ كَانَ تَحَيَّزَ إلَيَّ لَكُنْت لَهُ فِئَةً.
5 -فَإِنْ زَادَ الْكُفَّارُ عَلَى مِثْلَيْ عَدَدِ الْمُسْلِمِينَ فَيُبَاحُ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَنْسَحِبُوا، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَوْجَبَ عَلَى الْمِائَةِ مُصَابَرَةَ الْمِائَتَيْنِ فِي قَوْلِهِ: {فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مُصَابَرَةُ مَا زَادَ عَلَى الْمِائَتَيْنِ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: مَنْ فَرَّ مِنْ اثْنَيْنِ فَقَدْ فَرَّ، وَمَنْ فَرَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ فَلَمْ يَفِرَّ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى:"فَمَا فَرَّ"إلَّا أَنَّهُ إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّ الْمُسْلِمِينَ الظَّفَرُ بِهِمْ وَالنَّصْرُ عَلَيْهِمْ، فَيَلْزَمُهُمْ الثَّبَاتُ إعْلَاءً لِكَلِمَةِ اللَّهِ. وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِمْ الْهَلَاكُ فِي الْبَقَاءِ وَالنَّجَاةُ فِي الِانْصِرَافِ فَالْأَوْلَى لَهُمْ الِانْصِرَافُ، لقوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} وَإِنْ ثَبَتُوا جَازَ لِأَنَّ لَهُمْ غَرَضًا فِي الشَّهَادَةِ، وَحَتَّى لَا يَنْكَسِرَ الْمُسْلِمُونَ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَغْلِبُوا الْكُفَّارَ، فَفَضْلُ اللَّهِ وَاسِعٌ، وَهَذَا مَا عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ. وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: إنْ بَلَغَ الْمُسْلِمُونَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا حَرُمَ عَلَيْهِمْ الْفِرَارُ، وَلَوْ كَثُرَ الْكُفَّارُ جِدًّا، مَا لَمْ تَخْتَلِفْ كَلِمَتُهُمْ، وَمَا لَمْ يَكُنْ بِقَصْدِ التَّحَيُّزِ لِقِتَالٍ.
قِلَّةُ الْعَدَدِ مَعَ احْتِمَالِ الظَّفَرِ: 39 - إذَا كَانَ الْعَدُوُّ أَكْثَرَ مِنْ ضِعْفِ الْمُسْلِمِينَ فَغَلَبَ عَلَى ظَنِّ الْمُسْلِمِينَ الظَّفَرُ، فَالْأَوْلَى لَهُمْ الثَّبَاتُ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَصْلَحَةِ، وَإِنْ انْصَرَفُوا جَازَ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَامَنُونَ الْعَطَبَ وَالْحُكْمُ مُعَلَّقٌ عَلَى مَظِنَّتِهِ، وَهُوَ كَوْنُهُمْ أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ عَدَدِهِمْ، وَلِذَلِكَ لَزِمَهُمْ الثَّبَاتُ إذَا كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِمْ الْهَلَاكُ فِيهِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَلْزَمَهُمْ الثَّبَاتُ