فهرس الكتاب

الصفحة 211 من 396

يضن بنفسه فليس فيه خير البتة، والضن بالنفس إنما يذم إذا ضن بها عن بذلها في محبوب الرب وأوامره، وأما إذا ضن بها عن عذابه فهل يكون هذا علة؟ وهل العلة كلها إلا في عدم هذه المناضلة والضن؟ قوله: (( وهيبة الجلال تعظيم الحق ونسيان النفس ) )قد تقدم الكلام في الهيبة والتعظيم وأنهما غير الخوف والخشية.

ولا تستلزم هذه الهيبة أيضًا نسبان النفس، ولا يكون شعور العبد بنفسه في هذا المقام نقصًا ولا علة كما تقدم، بل هو أكمل لاستلزامه البقاء الذى هو أقوى وأكمل من الفناءِ، وأما قوله تعالى: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِن فَوْقِهِمْ} * [النمل:50] ، فهو حجة عليه كما تقدم ولا يصح تفسير الخوف هنا بالهيبة لوجهين: أحدهما أنه خروج عن حقيقة اللفظ ووضعه الأصلى بلا موجب، الثانى أن هذا وصف للملائكة وقد وصفهم سبحانه بخوفه وخشيته فالخوف في هذه الآية والخشية في قوله تعالى: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلَفَهُم وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَن ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} * [الأنبياء: 28] فوصفهم بالخشية والإشفاق. ووصفهم بخوف العذاب في قوله تعالى: {يَبْتَغُونَ إَلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابِهِ} * [الإسراء: 57] ، وهم خواص خلقه، فإياك ورعونات النفس وحماقاتها وجهالاتها، ولا تكن ممن لا يقدر الله حق قدره، وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم: (( إن الله لو عذب أهل سماواته وأرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ) )، فإذا علم المقرب العارف أن الله لو عذبه لم يظلمه، فمن أحق بالخوف منه؟ قوله: وقال في حق العوام: {يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقلُوبُ وَالأَبْصَارُ} * [النور: 37] هذا من الشطحات القبيحة الباطلة، فإن هذا صفة خواص عباده وعارفيهم، وهم الذين قال فيهم:

{رِجَالٌ لاّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَإِقَامِ الصّلاَةِ وَإِيتَآءِ الزّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مّن فَضْلِهِ وَاللّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} * [النور:37 - 38]

فهولاء هم خواص الخلق، وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن تبعهم بغحسان، أفلا يشحى من جعل هذا الوصف للعوام؟ لا ريب أن هذا مصدره إما جهل مفرط، وإما تقليد لقائل لا يدرى لازم قوله.

هذا إن أحسن الظن بقائله وإن كان مصدره غير ذلك فأدهى وأمر. ولولا أن هذه الكلمات ونحوها مهاو ومعاطب في الطريق لكان الإعراض عنها إلى ما هو أهم منها أولى. والله المستعان.

وفي حكم تارك الصلاة:

فصل في قول ابي بكر الصديق الذي لم يعلم ان احدا من الصحابة أنكره عليه

* قال عبدالله بن المبارك في الزهد رقم 914 أخبرنا إسماعيل ابن أبي خالد عن زيد ان ابا بكر قال لعمر بن الخطاب إني موصيك بوصية إن حفظتها إن لله حقا بالنهار لا يقبله بالليل وحقا بالليل لا يقبله بالنهار وإنها لا تقبل نافلة حتى تؤدي الفريضة وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم في الدنيا الحق وثقله عليهم وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلا وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل وخفته عليهم وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يخف وإن الله عز وجل ذكر أهل الجنة وصالح ما عملوا وتجاوز عن سيئاتهم فإذا ذكرتهم خفت ألا أكون منهم وذكر اهل النار وأعمالهم فإذا ذكرتهم قلت أخشى أن أكون منهم وذكر آية الرحمة وآية العذاب ليكون المؤمن راغبا راهبا فلا يتمنى على الله غير الحق ولا يلقى بيده إلى التهلكة فإن حفظت قولي فلا يكونن غائب أحب اليك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت