يَعْدِلَ مِنْ غَيْرِ الْحَقِّ إلَى بَدَلِهِ مِنْ غَيْرِ رِضَا مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ كَمَنْ عَلَيْهِ حِنْطَةٌ مَوْصُوفَةٌ فَأَرَادَ صَاحِبُ الْحَقِّ أَنْ يَاخُذَ مِنْهُ قِيمَتَهَا مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، كَذَا هَذَا، وَقَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام {الْعَمْدُ قَوَدٌ} وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى نَحْوِ وَجْهِ الِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَةِ الشَّرِيفَةِ؛ وَلِأَنَّ ضَمَان الْعُدْوَانِ الْوَارِدِ عَلَى حَقِّ الْعَبْدِ مُقَيَّدٌ بِالْمِثْلِ، وَالْقِصَاصُ وَهُوَ الْقَتْلُ الثَّانِي مِثْلُ الْقَتْلِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ يَنُوبُ مَنَابَ الْأَوَّلِ وَيَسُدُّ مَسَدَّهُ، وَمِثْلُ الشَّيْءِ غَيْرُهُ الَّذِي يَنُوبُ مَنَابَهُ، وَيَسُدُّ مَسَدَّهُ، وَأَخْذُ الْمَالِ لَا يَنُوبُ مَنَابَ الْقَتْلِ، وَلَا يَسُدُّ مَسَدَّهُ، فَلَا يَكُونُ مِثْلًا لَهُ فَلَا يَصْلُحُ ضَمَانًا لِلْقَتْلِ الْعَمْدِ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجِبَ أَصْلًا إلَّا أَنَّ الْوُجُوبَ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ ثَبَتَ شَرْعًا تَخْفِيفًا عَلَى الْخَاطِئِ نَظَرًا لَهُ إظْهَارًا لِخَطَرِ الدَّمِ صِيَانَةً لَهُ عَنْ الْهَدَرِ، وَالْعَامِدُ لَا يَسْتَحِقُّ التَّخْفِيفَ، وَالصِّيَانَةُ تَحْصُلُ بِالْقِصَاصِ، فَبَقِيَ ضَمَانًا أَصْلِيًّا فِي الْبَابِ. (وَأَمَّا) الْآيَةُ الشَّرِيفَةُ فَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} هُوَ الْوَلِيُّ لَا الْقَاتِلُ؛ لِأَنَّهُ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ} ، وَالْقَاتِلُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ لَا مَعْفُوٌّ لَهُ، وَلِأَنَّهُ قَالَ تَعَالَى اسْمُهُ {فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} فَلْيَتَّبِعْ، وَإِنَّهُ أَمْرٌ لِمَنْ دَخَلَ تَحْتَ كَلِمَةِ فَمَنْ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْقَاتِلَ لَا يَتَّبِعُ أَحَدًا بَلْ هُوَ الْمُتَّبَعُ، وَإِنَّمَا الْمُتَّبِعُ هُوَ الْوَلِيُّ، فَكَانَ هُوَ الدَّاخِلُ تَحْتَ كَلِمَةِ فَمَنْ فَكَانَ مَعْنَى الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ فَمَنْ بُذِلَ لَهُ، وَأُعْطِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءُ بِطَرِيقِ الْفَضْلِ، وَالسُّهُولَةِ فَلْيَتَّبِعْ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُ لَفْظِ الْعَفْوِ بِمَعْنَى الْفَضْلِ لُغَةً قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ الْعَفْوَ} أَيْ الْفَضْلَ، وَتَقُولُ الْعَرَبُ خُذْ مَا أَتَاكَ عَفْوًا أَيْ فَضْلًا، وَنَحْنُ بِهِ نَقُولُ: إنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُ الْمَالِ مِنْ الْقَاتِلِ بِرِضَاهُ، وَقِيلَ الْآيَةُ الشَّرِيفَةُ نَزَلَتْ فِي الصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ، وَقِيلَ نَزَلَتْ فِي دَمٍ بَيْن نَفَرٍ يَعْفُو أَحَدُهُمْ عَنْ الْقَاتِلِ فَلِلْبَاقِينَ أَنْ يَتَّبِعُوا بِالْمَعْرُوفِ فِي نَصِيبِهِمْ؛ لِأَنَّهُ قَالَ سُبْحَانُهُ وَتَعَالَى {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} ، وَهُوَ الْعَفْوُ عَنْ بَعْضِ الْحَقِّ، وَنَحْنُ بِهِ نَقُولُ: أُوقِعَ الِاحْتِمَالُ فِي الْمُرَادِ بِالْآيَةِ فَلَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهَا مَعَ الِاحْتِمَالِ، وَقَوْلُهُ: فِي دَفْعِ الدِّيَةِ صِيَانَةُ نَفْسِ الْقَاتِلِ عَنْ الْهَلَاكِ، وَأَنَّهُ وَاجِبٌ، قُلْنَا: نَعَمْ لَكِنَّ قَضِيَّتَهُ أَنْ يَصِيرَ آثِمًا بِالِامْتِنَاعِ لَا أَنْ يَمْلِكَ الْوَلِيُّ أَخْذَهُ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ كَمَنْ أَصَابَتْهُ مَخْمَصَةٌ، وَعِنْدَ صَاحِبِهِ طَعَامٌ يَبِيعُهُ بِمِثْلِ قِيمَتِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَشْتَرِيَهُ دَفْعًا لِلْهَلَاكِ عَنْ نَفْسِهِ، فَإِنْ امْتَنَعَ عَنْ الشِّرَاءِ لَيْسَ لِصَاحِبِ الطَّعَامِ أَنْ يَدْفَعَ الطَّعَامَ إلَيْهِ، وَيَاخُذَ الثَّمَنَ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ، كَذَا هَذَا، وَقَوْلُهُ الْمَقْتُولُ: لَا يَنْتَفِعُ بِالْقِصَاصِ، قُلْنَا: مَمْنُوعٌ، بَلْ يَنْتَفِعُ بِهِ أَكْثَرَ مِمَّا يَنْتَفِعُ بِالْمَالِ؛ لِأَنَّ فِيهِ إحْيَاءَهُ بِإِكْفَاءِ وَرَثَتِهِ أَحْيَاءً، وَهَذَا لَا يَحْصُلُ بِالْمَالِ عَلَى مَا عُرِفَ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(374) فَصْلٌ: وَإِنْ خَافَ مِنْ شِدَّةِ الْبَرْدِ، وَأَمْكَنَهُ أَنْ يُسَخِّنَ الْمَاءَ، أَوْ يَسْتَعْمِلَهُ عَلَى وَجْهٍ يَامَنُ الضَّرَرَ، مِثْلُ أَنْ يَغْسِلَ عُضْوًا عُضْوًا، وَكُلَّمَا غَسَلَ شَيْئًا سَتَرَهُ، لَزِمَهُ ذَلِكَ. وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ، تَيَمَّمَ وَصَلَّى فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَقَالَ عَطَاءٌ، وَالْحَسَنُ: يَغْتَسِلُ، وَإِنْ مَاتَ، لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ عُذْرًا. وَمُقْتَضَى قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّهُ لَا يَتَيَمَّمُ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: لَوْ رَخَّصْنَا لَهُمْ فِي هَذَا لَأَوْشَكَ أَحَدُهُمْ إذَا بَرَدَ عَلَيْهِ الْمَاءُ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَدَعَهُ. وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} ، وقوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} . وَرَوَى أَبُو دَاوُد، وَأَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ، بِإِسْنَادِهِمَا {، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: احْتَلَمْت فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ، فَأَشْفَقْت إنْ اغْتَسَلْت أَنْ أَهْلِكَ، فَتَيَمَّمْت، ثُمَّ صَلَّيْت بِأَصْحَابِي الصُّبْحَ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا عَمْرُو، أَصَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ، وَأَنْتَ جُنُبٌ؟ فَأَخْبَرْته بِاَلَّذِي مَنَعَنِي مِنْ الِاغْتِسَالِ، وَقُلْت: إنِّي سَمِعْت اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} . فَضَحِكَ رَسُولُ