قَالَ: لَوْ حَمَلَ رَجُلٌ وَاحِدٌ عَلَى أَلْفِ رَجُلٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، وَهُوَ وَحْدَهُ، لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَاسٌ، إذَا كَانَ يَطْمَعُ فِي نَجَاةٍ أَوْ نِكَايَةٍ فِي الْعَدُوِّ.
5 -يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ لَا يُعَطِّلُوا الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَنْ يُجَهِّزُوا لِذَلِكَ الْغُزَاةَ بِمَا يَلْزَمُهُمْ مِنْ عُدَّةٍ وَعَتَادٍ وَزَادٍ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} وَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} وَتَجْهِيزُ الْغُزَاةِ وَاجِبُ الْمُسْلِمِينَ جَمِيعًا، حُكَّامًا وَمَحْكُومِينَ، وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْقُرَبِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: {مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَدْ غَزَا} وَمِنْ الْمَصَادِرِ الَّتِي يُمْكِنُ تَجْهِيزُ الْغُزَاةِ مِنْهَا: الزَّكَاةُ مِنْ صِنْفِ (سَبِيلِ اللَّهِ) . وَقَدْ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّ الْغُزَاةَ يُعْطَوْنَ مِنْ الزَّكَاةِ مُطْلَقًا، وَلَوْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ. لَكِنَّ الْمَالِكِيَّةَ قَيَّدُوهُ بِأَنْ يَكُونَ الْمُعْطَوْنَ مِمَّنْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْجِهَادُ. وَقَيَّدَهُ الشَّافِعِيَّةُ بِأَلَّا تَكُونَ أَسْمَاؤُهُمْ فِي دِيوَانِ الْجُنْدِ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّ الْغَازِيَ يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ إذَا كَانَ مِنْ مُنْقَطِعِي الْغُزَاةِ، وَهُمْ الَّذِينَ عَجَزُوا عَنْ الِالْتِحَاقِ بِجَيْشِ الْإِسْلَامِ لِفَقْرِهِمْ. وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي هَذَا هُوَ اخْتِلَافُهُمْ فِي تَفْسِيرِ قوله تعالى فِي مَصَارِفِ الصَّدَقَاتِ: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ يُرْجَعُ إلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ (زَكَاةٌ) .
عُدَّةٌ التَّعْرِيفُ
1 -الْعُدَّةُ - بِالضَّمِّ - فِي اللُّغَةِ: الِاسْتِعْدَادُ وَالتَّأَهُّبُ وَمَا أَعْدَدْته مِنْ مَالٍ أَوْ سِلَاحٍ. وَفِي الِاصْطِلَاحِ هِيَ: جَمِيعُ مَا يُتَقَوَّى بِهِ فِي الْحَرْبِ عَلَى الْعَدُوِّ.
الْأَحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْعُدَّةِ: 2 - الْعُدَّةُ - أَيْ الِاسْتِعْدَادُ لِلْحَرْبِ - فَرِيضَةٌ تُلَازِمُ فَرِيضَةَ الْجِهَادِ، فَالْحَرْبُ بِلَا عُدَّةٍ إلْقَاءٌ لِلنَّفْسِ إلَى التَّهْلُكَةِ، وَالْعُدَّةُ لِلْحَرْبِ فِي سَبِيلِ إعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ بِأَنْوَاعِهَا فَرْضٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. قَالَ تَعَالَى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ} ، وَالْخِطَابُ لِكَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} أَيْ بِتَرْكِ الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْخِطَابُ أَيْضًا لِكَافَّتِهِمْ، وَعَدَّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: تَرْكَ الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَعَدَمَ الِاسْتِعْدَادِ لِلْحَرْبِ بِاِتِّخَاذِ الْعُدَّةِ اللَّازِمَةِ لِلنَّصْرِ تَهْلُكَةً لِلنَّفْسِ، وَتَهْلُكَةً لِلْجَمَاعَةِ، فَالدَّعْوَةُ إلَى الْجِهَادِ فِي التَّوْجِيهَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ وَالنَّبَوِيَّةِ تُلَازِمُهَا فِي الْأَغْلَبِ الْأَعَمِّ دَعْوَةٌ إلَى الْإِنْفَاقِ. جَاءَ فِي تَفْسِيرِ الْمَاوَرْدِيُّ: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} بِأَنْ تَتْرُكُوا النَّفَقَةَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَهْلَكُوا، ثُمَّ قَالَ: هَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقِيلَ: لَا تُقْحِمُوا أَنْفُسَكُمْ فِي الْحَرْبِ بِغَيْرِ نِكَايَةٍ فِي الْعَدُوِّ، وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: التَّهْلُكَةُ أَنْ تُمْسِكَ يَدَك عَنْ النَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَالْعُدَّةُ بِمَا فِي الطَّوْقِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ تَرَكُوهَا أَثِمُوا جَمِيعًا، وَهِيَ مِنْ الْأُمُورِ الْمَنُوطَةِ بِالْإِمَامِ وَتَلْزَمُ عَلَيْهِ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: مِنْ الْأُمُورِ الْوَاجِبَةِ عَلَى الْإِمَامِ: تَحْصِينُ الثُّغُورِ بِالْعُدَّةِ الْمَانِعَةِ، وَالْقُوَّةِ الدَّافِعَةِ حَتَّى لَا يَظْفَرَ الْأَعْدَاءُ بِغِرَّةٍ يَنْتَهِكُونَ فِيهَا مُحَرَّمًا، أَوْ يَسْفِكُونَ فِيهَا لِمُسْلِمٍ أَوْ مُعَاهَدٍ دَمًا، وَعَدَّ الْقُرْآنُ تَرْكَ الْعُدَّةِ لِلْحَرْبِ إعْلَاءً لِكَلِمَةِ اللَّهِ مِنْ عَلَامَاتِ النِّفَاقِ، فَقَالَ تَعَالَى: فِي شَانِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ اسْتَاذَنُوا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لِأَعْذَارٍ وَاهِيَةٍ فِي عَدَمِ الْخُرُوجِ مَعَهُ فِي الْجِهَادِ: لَا يَسْتَاذِنُك الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ إنَّمَا يَسْتَاذِنُك الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ