13 -واختلف الفقهاء في حكم أكل الميتة عند الاضطرار على ثلاثة أقوال:
أحدها: الوجوب، فمن أضطرّ إلى أكل الميتة، وجب عليه تناولها، فإن امتنع من الأكل وصبر حتّى مات أثم، وهو قول جمهور الفقهاء من الحنفيّة وقول عند المالكيّة والشّافعيّة على الأصحّ والحنابلة على الصّحيح، لقوله تعالى: {وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} حيث أنّ ترك الأكل مع إمكانه في هذه الحال إلقاء بيده إلى التّهلكة، ولقوله سبحانه: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} ، ولأنّه قادر على إحياء نفسه بما أحلّه اللّه له، فلزمه كما لو كان معه طعام حلال.
الثّاني: الإباحة، وهو قول أبي يوسف من الحنفيّة وسحنون من المالكيّة وأبي إسحاق الشّيرازيّ من الشّافعيّة ووجه عند الحنابلة وعلى ذلك: فلو امتنع المضطر عن أكلها حتّى مات، فلا إثم عليه، لأنّ إباحة الأكل رخصة، فلا تجب عليه كسائر الرخص. ولأنّ له غرضًا في اجتناب النّجاسة والأخذ بالعزيمة، وربّما لم تطب نفسه بتناول الميتة، وفارق الحلال في الأصل من هذه الوجوه.
الثّالث: النّدب، وهو قول بعض الحنابلة.
وللتّفصيل أنظر (ضرورة ف / 10، أطعمة ف / 90) .
14 -اختلف الفقهاء في مقدار ما يباح للمضطرّ تناوله من الميتة على ثلاثة أقوال:
الأوّل: لجمهور الفقهاء من الحنفيّة والحنابلة والشّافعيّة في الأظهر وابن الماجشون وابن حبيب من المالكيّة وغيرهم، وهو أنّه لا يجوز للمضطرّ أن يأكل من الميتة إلّا قدر ما يسد به رمقه، أي: ما يحفظ به حياته، قال الصّاوي: المراد بالرّمق: الحياة، وسدها: حفظها.
لأنّ ما أبيح للضّرورة يقدّر بقدرها، وذلك أنّ اللّه حرّم الميتة، واستثنى ما أضطرّ إليه، فإذا اندفعت الضّرورة، عادت الحرمة كحالة الابتداء.
يوضّحه أنّه بعد سدّ الرّمق غير مضطر، فزال الحكم بزوال علّته، لأنّ القاعدة المقرّرة أنّ الحكم يدور مع العلّة وجودًا وعدمًا.
الثّاني: للمالكيّة على المعتمد والشّافعيّة في قول وأحمد في رواية عنه، وهو أنّه يجوز للمضطرّ أن يأكل من الميتة حتّى يشبع، لأنّ الضّرورة ترفع التّحريم، فتعود مباحةً كسائر الأطعمة، وذلك لما روى جابر بن سمرة رضي الله عنه «أنّ رجلًا نزل الحرّة، فنفقت عنده ناقة، فقالت له امرأته: أسلخها حتّى نقدّد شحمها ولحمها ونأكله، فقال: حتّى أسأل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فسأله فقال: هل عندك غنىً يغنيك؟ قال: لا، قال: فكلوها» .
الثّالث: لعبيد اللّه بن الحسن العنبريّ: وهو أنّ له أن يأكل منها ما يسد جوعه، وذلك فوق قدر إمساك الرّمق.
تزود المضطرّ بالميتة:
10 -إذا خشي المضطر استمرار حالة الضّرورة، فهل يجوز له التّزود من الميتة؟
اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:
أحدهما: لجمهور الفقهاء من المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة في الأصحّ، وهو أنّ له ذلك، فإن استغنى عنها طرحها، وذلك لأنّه لا ضرر عليه في استصحابها ولا في إعدادها لدفع ضرورته وقضاء حاجته، ولا يأكل منها إلّا عند ضرورته.