فهرس الكتاب

الصفحة 249 من 396

بِوَجْهِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَمَلِ الْمُتَكَلِّفِينَ وَصُنْعِ غَيْرِ الْمُتَأَدِّبِينَ، وَلْيَكُنْ ضَحِكُهُ تَبَسُّمًا وَنَظَرُهُ فِرَاسَةً وَتَوَسُّمًا وَإِطْرَاقُهُ تَفَهُّمًا، وَيَكُونُ أَبَدًا مُرْتَدِيًا بِرِدَائِهِ حَسَنَ الزِّيِّ وَلْيَلْبَسْ مَا يَلِيقُ بِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ أَهْيَبُ فِي حَقِّهِ وَأَجْمَلُ فِي شَكْلِهِ وَأَدَلُّ عَلَى فَضْلِهِ وَعَقْلِهِ، وَفِي مُخَالَفَةِ ذَلِكَ نُزُولٌ وَتَبَذُّلٌ، وَلْيَلْزَمْ مِنْ الصَّمْتِ الْحَسَنِ وَالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ مَا يَحْفَظُ بِهِ مُرُوءَتَهُ فَتَمِيلُ الْهِمَمُ إلَيْهِ وَيَكْبُرُ فِي نُفُوسِ الْخُصُومِ الْجَرَاءَةُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَكَبُّرٍ يُظْهِرُهُ وَلَا إعْجَابٍ يَسْتَشْعِرُهُ، فَكِلَاهُمَا شَيْنٌ فِي الدِّينِ وَعَيْبٌ فِي أَخْلَاقِ الْمُؤْمِنِينَ.

وفي طرح التثريب:

(الْحَادِيَةَ عَشْرَ) فِيهِ جَوَازُ سُلُوكِ الطَّرِيقِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا مَاءٌ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَهُوَ مُسَلَّمٌ فِيمَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَاءٌ لِلطَّهَارَةِ لِجَوَازِ رُجُوعِهِ إلَى بَدَلِهِ، وَهُوَ التَّيَمُّمُ أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَاءٌ مُطْلَقًا لَا لِشُرْبٍ وَلَا لِغَيْرِهِ وَلَمْ يَحْمِلْ مَعَهُ مَاءً لِذَلِكَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ أَلْقَى بِنَفْسِهِ إلَى التَّهْلُكَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ بِالْجَوَازِ لِجَوَازِ إرْسَالِ الْمَطَرِ وَغَيْرِهِ مَاءً يَكْفِيه لِشُرْبِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(السَّادِسَةُ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ التَّدَاوِي وَهُوَ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا وَجُمْهُورِ السَّلَفِ وَعَامَّةِ الْخَلَفِ وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ التَّدَاوِيَ مِنْ غُلَاةِ الصُّوفِيَّةِ، وَقَالَ كُلُّ شَيْءٍ بِقَضَاءٍ وَقَدَرٍ فَلَا حَاجَةَ إلَى التَّدَاوِي وَحُجَّةُ الْعُلَمَاءِ هَذَا الْحَدِيثُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ {: لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ أَبْرَأَهُ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ} . وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ قَالَ {قَالَتْ الْأَعْرَابُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَتَدَاوَى؟ قَالَ نَعَمْ يَا عِبَادَ اللَّهِ تَدَاوَوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إلَّا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً إلَّا دَاءً وَاحِدًا وَهُوَ الْهَرَمُ} قَالُوا وَيَجِبُ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الْفَاعِلُ، وَأَنَّ التَّدَاوِيَ أَيْضًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا كَالْأَمْرِ بِالدُّعَاءِ وَكَالْأَمْرِ بِقِتَالِ الْكُفَّارِ وَبِالتَّحْصِينِ وَمُجَانَبَةِ الْإِلْقَاءِ بِالْيَدِ إلَى التَّهْلُكَةِ مَعَ أَنَّ الْأَجَلَ لَا يَتَغَيَّرُ وَالْمَقَادِيرَ لَا تَتَقَدَّمُ وَلَا تَتَأَخَّرُ عَنْ أَوْقَاتِهَا، وَلَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِ الْمُقَدَّرَاتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (السَّابِعَةُ) (قَوْلُهُ) إلَّا السَّامَ يَقْتَضِي أَنَّ السَّامَ وَهُوَ الْمَوْتُ دَاءٌ، وَالْمَعْرُوفُ أَنَّهُ لَيْسَ دَاءً، وَإِنَّمَا هُوَ عَدَمٌ وَفَنَاءٌ فَيَحْتَمِلُ أَوْجُهًا: (أَحَدُهَا) أَنَّهُ سَمَّاهُ دَاءً عَلَى طَرِيقِ الْمُبَالَغَةِ فَإِنَّهُ أَشَدُّ مِنْ الْمَرَضِ؛ لِأَنَّ الْمَرَضَ دَاءٌ يُضْعِفُ وَالْمَوْتُ يُعْدِمُ. (ثَانِيهَا) أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ أَيْ لَكِنَّ السَّامَ لَا دَوَاءَ لَهُ كَمَا قَالَ وَدَاءُ الْمَوْتِ لَيْسَ لَهُ دَوَاءٌ، وَإِطْلَاقُ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى الْمُنْقَطِعِ مَجَازٌ لِعَدَمِ دُخُولِهِ فِيمَا قَبْلَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ثَالِثُهَا) أَنَّهُ الْمُرَادُ بِالْمَرَضِ الَّذِي عِنْدَ الْمَوْتِ وَفَرَاغِ الْأَجَلِ فَلَا يَنْفَعُ فِيهِ الدَّوَاءُ.

وفي معين الحكام:

فَضْلِ الْقَضَاءِ وَالتَّرْغِيبِ فِي الْقِيَامِ فِيهِ بِالْعَدْلِ وَبَيَانِ مَحِلِّ التَّحْذِيرِ مِنْهُ وَحُكْمِ السَّعْيِ فِيهِ. اعْلَمْ: أَنَّ أَكْثَرَ الْمُؤَلِّفِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ بَالَغُوا فِي التَّرْهِيبِ وَالتَّحْذِيرِ مِنْ الدُّخُولِ فِي وِلَايَةِ الْقَضَاءِ، وَشَدَّدُوا فِي كَرَاهِيَةِ السَّعْيِ فِيهَا وَرَغَّبُوا فِي الْإِعْرَاضِ عَنْهَا وَالنُّفُورِ وَالْهَرَبِ مِنْهَا، حَتَّى تَقَرَّرَ فِي أَذْهَانِ كَثِيرٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالصُّلَحَاءِ أَنَّ مَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ فَقَدْ سَهُلَ عَلَيْهِ دِينُهُ وَأَلْقَى بِيَدِهِ إلَى التَّهْلُكَةِ وَرَغِبَ عَمَّا هُوَ الْأَفْضَلُ وَسَاءَ اعْتِقَادُهُمْ فِيهِ، وَهَذَا غَلَطٌ فَاحِشٌ يَجِبُ الرُّجُوعُ عَنْهُ وَالتَّوْبَةُ مِنْهُ. وَالْوَاجِبُ تَعْظِيمُ هَذَا الْمَنْصِبِ وَمَعْرِفَةُ مَكَانَتِهِ مِنْ الدِّينِ، فَبِهِ بُعِثَ الرُّسُلُ، وَبِالْقِيَامِ بِهِ قَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَجَعَلَهُ النَّبِيُّ عليه الصلاة والسلام مِنْ النِّعَمِ الَّتِي يُبَاحُ الْحَسَدُ عَلَيْهَا. فَقَدْ جَاءَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْهُ عليه الصلاة والسلام {لَا حَسَدَ إلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيَعْمَلُ بِهَا} . وَجَاءَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَنْ السَّابِقُونَ إلَى ظِلِّ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالُوا: اللَّهُ أَعْلَمُ وَرَسُولُهُ، قَالَ: الَّذِينَ إذَا أُعْطُوا الْحَقَّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت