بعوث يبعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير نفقة، فإما يقطع لهم، وإما كانوا عيالًا، فأمرهم الله أن يستنفقوا مما رزقهم الله ولا يلقوا بأيديهم إلى التهلكة. والتهلكة: أن تهلك رجال من الجوع والعطش ومن المشي. وقال لمن بيده فضل:"وأحسنوا إن الله يحب المحسنين". وأخرج عبد بن حميد وأبو يعلى وابن جرير والبغوي في معجمه وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وابن مانع والطبراني عن الضحاك بن أبي جبير: أن الأنصار كانوا ينفقون في سبيل الله ويتصدقون، فأصابتهم سنة فساء ظنهم وأمسكوا عن ذلك، فأنزل الله الآية. وأخرج عبد بن حميد وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والطبراني وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أسلم بن عمران قال: كنا بالقسطنطينية، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى أهل الشام فضالة بن عبيد، فخرج صف عظيم من الروم فصفقنا لهم، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم، فصاح الناس وقالوا: سبحان الله يلقي بيده إلى التهلكة؟ فقام أبو أيوب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أيها الناس إنكم تؤولون الآية هذا التأويل. وإنما أنزلت فينا هذه الآية معشر الأنصار، إن لما أعز الله دينه وكثر ناصروه، قال بعضننا لبعض سرًا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أموال الناس قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها؟ فأنزل الله على نبيه يرد علينا:"وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة"فكانت التهلكة: الإقامة في الأموال وإصلاحها وترك الغزو. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وصححه والبيهقي عن البراء بن عازب قال في تفسير الآية: هو الرجل يذنب الذنب فيلقي بيديه فيقول: لا يغفر الله لي أبدًا. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه والطبراني والبيهقي في الشعب عن النعمان بن بشير نحوه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير قال في تفسير الآية: إنه القنوط. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: التهلكة عذاب الله. وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث أنهم حاصروا دمشق فأسرع رجل إلى العدو وحده، فعاب ذلك عليه المسلمون، ورفع حديثه إلى عمرو بن العاص فأرسل إليه فرده، وقال: قال الله:"ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة". وأخرج ابن جرير عن رجل من الصحابة في قوله:"وأحسنوا"قال: أدوا الفرائض. وأخرج عبد بن حميد عن أبي إسحاق مثله. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة قال: أحسنوا الظن بالله.
(وأنفقوا في سبيل الله (عطف على(قاتلوا) أي وليكن منكم إنفاق ما في سبيله (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة (بترك الغزو والإنفاق فيه فهو متعلق بمجموع المعطوف والمعطوف عليه نهيا عن ضدهما تأكيدا لهما ويؤيد ذلك ما أخرجه غير واحدعن أبي عمرانقال: كنا بالقسطنطينية فخرج صف عظيم من الروم فحمل رجل من المسلمين حتى دخل فيهم فقال الناس: ألقى بيديه إلى التهلكة فقام أبو أيوب الأنصاري فقال: أيها الناس إنكم تؤولون هذه الآية هذا التأويل وإنما نزلت فينا معاشر الأنصار إنا لما أعز الله تعالى دينه وكثر ناصروه قال بعضنا لبعض سرا دون رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إن أموالنا قد ضاعت وإن الله تعالى قد أعز الإسلام وكثر ناصروه فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها فأنزل الله تعالى على نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم ما يرد علينا ما قلنا(وأنفقوا) إلخ فكانت (التهلكة) إلاقامة في الأموال وإصلاحها وترك الغزو وقال الجبائي: (التهلكة) الإسراف في الإنفاق فالمراد بالآية النهي عنه بعد الأمر بالإنفاق تحريا للطريق الوسط