الْبَاءُ فَيَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ إلَّا بِإِذْنِي. قَالَ وَفِيمَا قُلْنَا تَحْقِيقُ الِاسْتِثْنَاءِ وَالْعَمَلُ بِهِ وَاجِبٌ مَا أَمْكَنَ لِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ وَالْغَايَةُ مَجَازٌ. وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {إلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ} . وَ {إلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ} . وَمَعْنَاهُ الْغَايَةُ. وَلِأَنَّ الْكَلَامَ إذَا بَطَلَتْ حَقِيقَتُهُ تَعَيَّنَ مَجَازُهُ وَحَقِيقَةُ الِاسْتِثْنَاءِ مُتَعَذِّرَةٌ هَاهُنَا لِأَنَّ أَنْ مَعَ الْفِعْلِ مَصْدَرٌ فَيَصِيرُ مُسْتَثْنِيًا لِلْإِذْنِ مِنْ الْخُرُوجِ وَذَلِكَ بَاطِلٌ فَعُمِلَ بِمَجَازِهِ وَهُوَ أَنْ يُجْعَلَ غَايَةً لِأَنَّ كُلَّ اسْتِثْنَاءٍ يُنَاسِبُ الْغَايَةَ مِنْ حَيْثُ أَنَّ حُكْمَ مَا وَرَاءَ الْغَايَةِ عَلَى خِلَافِ الْمُغَيَّا كَمَا أَنَّ حُكْمَ مَا وَرَاءَ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى خِلَافِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فَإِنَّ مَنْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ إلَّا مِائَةً كَانَ الْحُكْمُ فِيمَا وَرَاءَ تِسْعِمِائَةٍ عَلَى خِلَافِ الْحُكْمِ الثَّابِتِ فِي تِسْعِمِائَةٍ فَيُجْعَلُ غَايَةً بِمَنْزِلَةِ حَتَّى وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَوْلُهُ إلَّا بِإِذْنِي لِأَنَّ حَرْفَ الْإِلْصَاقِ يَقْتَضِي مُلْصِقًا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَحَذْفُهُ سَائِغٌ لِقِيَامِ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ وَهُوَ حَرْفُ الْإِلْصَاقِ كَمَا فِي بِسْمِ اللَّهِ أَيْ بَدَات أَوْ أَبْدَأُ بِهِ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا صَحَّ الْحَذْفُ لِقِيَامِ الْبَاءِ وَذَلِكَ الْمَحْذُوفُ هُوَ الْخُرُوجُ الَّذِي بِهِ تَحْقِيقُ الِاسْتِثْنَاءِ فَكَأَنَّهُ قَالَ إلَّا خُرُوجًا بِإِذْنِي فَصَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ فَأَمَّا هَاهُنَا فَلَيْسَ فِي الْكَلَامِ ذِكْرُ الْبَاءِ فَلَمْ يَصِحَّ حَذْفُ الْخُرُوجِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ فَلِذَلِكَ تَعَذَّرَتْ حَقِيقَتُهُ فَتَعَيَّنَ مَجَازُهُ. وَلَا يَلْزَمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا قوله تعالى {إلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ} . لِأَنَّ التَّكْرَارَ ثَمَّةَ مَا جَاءَ مِنْ لَفْظٍ إلَّا أَنْ لِأَنَّهُ لَوْ ذُكِرَ بِحَرْفِ حَتَّى كَانَ الْحُكْمُ هَكَذَا أَيْضًا كَمَا فِي قوله تعالى {حَتَّى تَسْتَانِسُوا} . بَلْ التَّكْرَارُ عُرِفَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى. {إنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ} . فَإِنْ نَوَى بِقَوْلِهِ إلَّا أَنْ آذَنَ إلَّا بِإِذْنِي صَحَّتْ نِيَّتُهُ قَضَاءً وَدِيَانَةً لِأَنَّهُ نَوَى مُحْتَمَلَ كَلَامِهِ لِأَنَّ حَذْفَ حَرْفِ الِالْتِصَاقِ سَائِغٌ وَفِيهِ تَشْدِيدٌ عَلَيْهِ فَيُصَدَّقُ. وَإِنْ نَوَى فِي قَوْلِهِ إلَّا بِإِذْنِي الْإِذْنَ مَرَّةً صَحَّتْ أَيْضًا لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يُفِيدُ مَا يُفِيدُ الْغَايَةُ وَهُوَ إخْرَاجُ بَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ اللَّفْظُ لَوْلَا الِاسْتِثْنَاءُ فَكَانَ بَيْنَهُمَا مُشَابَهَةٌ فِي الْمَعْنَى فَيُصَدَّقُ دِيَانَةً لَا قَضَاءً لِأَنَّ فِيهِ تَخْفِيفًا عَلَيْهِ كَذَا فِي الْجَامِعِ الْبُرْهَانِيِّ وَغَيْرِهِ.
فَصْلٌ فِي السُّكْنَى عَلَى الْبَحْرِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُنَّ مِنْ السُّكْنَى عَلَى الْبَحْرِ مَهْمَا اسْتَطَاعَ جَهْدَهُ وَذَلِكَ لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: نَهْيُهُ عليه الصلاة والسلام عَنْ الْجُلُوسِ عَلَى الطُّرُقَاتِ، وَمَنْ كَانَ فِي دَارٍ عَلَى الْبَحْرِ فَهُوَ كَالْجَالِسِ عَلَى الطَّرِيقِ؛ لِأَنَّ الْبَحْرَ طَرِيقٌ لِلْمُرُورِ فِيهِ بِالْمَرَاكِبِ، فَإِذَا نَظَرَ كَشَفَ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ، إذْ أَنَّ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ يَشْتَمِلُ عَلَى عَوْرَاتٍ كَثِيرَةٍ: مِنْهَا: كَشْفُ عَوْرَاتِ النَّوَاتِيَّةِ كَمَا هُوَ وَاقِعٌ مَرْئِيٌّ، وَكَذَلِكَ كَشْفُ عَوْرَاتِ غَيْرِهِمْ مِنْ الْمُغْتَسِلِينَ فِيهِ، وَالْكَلَامُ الْفَاحِشُ الَّذِي يُمْنَعُ لِلرِّجَالِ سَمَاعُهُ فَكَيْفَ بِالْمَرْأَةِ؟ وَمِنْهَا أَنَّ بَعْضَهُمْ يَكُونُ مَعَهُمْ الْمَغَانِي فِي الشَّخَاتِيرِ، وَغَيْرِهَا فَإِحْدَاهُنَّ تَضْرِبُ بِالطَّارِ، وَأُخْرَى بِالشَّبَّابَةِ، وَمَعَهُنَّ مَنْ يُصَوِّتُ بِالْمِزْمَارِ مَعَ رَفْعِ أَصْوَاتِهِنَّ بِالْغِنَاءِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ ظُهُورِ هَذِهِ الْعَوْرَاتِ الْمَذْكُورَاتِ وَغَيْرِهَا. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ أَهْلَهُ يَنْكَشِفْنَ بِجُلُوسِهِنَّ فِي الطُّرُقَاتِ وَغَيْرِهَا وَيُشَاهِدْنَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَغَيْرُهُ، فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ بَنَاتٌ أَوْ إمَاءٌ أَوْ غَيْرُهُنَّ فَتَزِيدُ الْمَفَاسِدُ بِحَسَبِ ذَلِكَ الثَّالِثُ: أَنَّ شَاطِئَ الْبَحْرِ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ الْبِنَاءُ عَلَيْهِ لِلسُّكْنَى وَلَا لِغَيْرِهَا إلَّا الْقَنَاطِرَ الْمُحْتَاجَ إلَيْهَا لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام {اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ الثَّلَاثَ الْبِرَازَ فِي الْمَوَارِدِ وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَالظِّلِّ} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ وَمَا ذَاكَ إلَّا لِأَنَّهَا مَرَافِقُ لِلْمُسْلِمِينَ فَمَنْ جَاءَ يَرْتَفِقُ بِهَا يَجِدُ هُنَاكَ نَجَاسَةً فَيَقُولُ لَعَنْ اللَّهُ مَنْ فَعَلَ هَذَا فَإِذَنْ اسْتَحَقَّ الْعَبْدُ اللَّعْنَ بِهَذَا الْفِعْلِ، وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِأُمَّتِهِ رَءُوفٌ رَحِيمٌ فَنَهَاهُمْ عليه الصلاة والسلام أَنْ يَفْعَلُوا مَا يُلْعَنُونَ بِسَبَبِهِ، هَذَا وَهُوَ مِمَّا يَذْهَبُ بِالشَّمْسِ، وَالرِّيحِ وَغَيْرِهِمَا فَكَيْفَ بِالْبِنَاءِ عَلَى النَّهْرِ الْمُتَّخَذِ لِلدَّوَامِ غَالِبًا، وَقَدْ قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ رحمه الله فِي كِتَابِ اتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَاخْتِلَافِهِمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الطَّرِيقَ لَا يَجُوزُ تَضْيِيقُهَا انْتَهَى. وَالْبِنَاءُ عَلَى النَّهْرِ أَكْثَرُ ضَرَرًا وَأَشَدُّ