فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 396

حينئذ أن تنفق لتحمي نفسها من أهلها أو من أعدائها، إنما يتقدم الجند ويتقدم القادة متطوعين ينفقون هم عليها!

ولكن كثيرا من فقراء المسلمين الراغبين في الجهاد، والذود عن منهج الله وراية العقيدة، لم يكونوا يجدون ما يزودون به أنفسهم، ولا ما يتجهزون به من عدة الحرب ومركب الحرب. وكانوا يجيئون إلى النبي صلى الله عليه وسلم يطلبون أن يحملهم إلى ميدان المعركة البعيد، الذي لا يبلغ على الأقدام. فإذا لم يجد ما يحملهم عليه (تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون) . . كما حكى عنهم القرآن الكريم.

من أجل هذا كثرت التوجيهات القرآنية والنبوية إلى الإنفاق في سبيل الله. الإنفاق لتجهيز الغزاة. وصاحبت الدعوة إلى الجهاد دعوة إلى الإنفاق في معظم المواضع. .

وهنا يعد عدم الإنفاق تهلكة ينهى عنها المسلمون:

وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَا إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195)

والإمساك عن الإنفاق في سبيل الله تهلكة للنفس بالشح، وتهلكة للجماعة بالعجز والضعف. وبخاصة في نظام يقوم على التطوع، كما كان يقوم الإسلام.

ثم يرتقي بهم من مرتبة الجهاد والإنفاق إلى مرتبة الإحسان:

(وأحسنوا إن الله يحب المحسنين) . .

ومرتبه الإحسان هي عليا المراتب في الإسلام. وهي كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك".

وحين تصل النفس إلى هذه المرتبة، فإنها تفعل الطاعات كلها، وتنتهي عن المعاصي كلها، وتراقب الله في الصغيرة والكبيرة، وفي السر والعلن على السواء.

وهذا هو التعقيب الذي ينهي آيات القتال والإنفاق، فيكل النفس في أمر الجهاد إلى الإحسان. أعلى مراتب الإيمان. .

وفي تفسير ابن عثيمين:

(وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (البقرة:195)

التفسير:

قوله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} بعضهم يقول: إن الباء هنا زائدة؛ أي لا تلقوا أيديكم إلى التهلكة؛ والصواب أنها أصلية، وليست بزائدة؛ ولكن ضمنت معنى الفعل «الإفضاء» أي لا تفضوا بأيديكم إلى التهلكة؛ و {التهلكة} : من الهلاك؛ والمعنى لا تلقوها إلى ما يهلككم، ويشمل الهلاك الحسي والمعنوي، فالمعنوي مثل أن يدع الجهاد في سبيل الله، أو الإنفاق فيه؛ والحسي أن يعرض نفسه للمخاطر، مثل أن يلقي نفسه في نار، أو في ماء يغرقه، أو ينام تحت جدار مائل للسقوط، أو ما أشبه ذلك.

قوله تعالى: {وأحسنوا} أي افعلوا الإحسان في عبادة الخالق؛ وفي معاملة المخلوق؛ أما الإحسان في عبادة الخالق فقد فسره النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت