فهرس الكتاب

الصفحة 256 من 396

حُبَابَةَ وَجَدَ أَخَاهُ هِشَامًا قَتِيلًا فِي بَنِي النَّجَّارِ وَلَمْ يَظْهَرْ قَاتِلُهُ، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَدْفَعُوا إلَيْهِ دِيَتَهُ فَدَفَعُوا، ثُمَّ حَمَلَ عَلَى مُسْلِمٍ فَقَتَلَهُ وَرَجَعَ إلَى مَكَّةَ مُرْتَدًّا أَوْ الْمُرَادُ بِالْخُلُودِ الْمُكْثُ الطَّوِيلُ، فَإِنَّ الدَّلَائِلَ مُتَظَاهِرَةٌ عَلَى أَنَّ عُصَاة الْمُؤْمِنِينَ لَا يَدُومُ عَذَابُهُمْ، إلَى هُنَا لَفْظُ الْقَاضِي

وفي التقرير والتحبير:

(وَ) إلَى (مَا) أَيْ حُكْمٌ (سَقَطَ أَيْ لَمْ يَجِبْ) أَيْ لَمْ يَثْبُتْ (مَعَ الْعُذْرِ مَعَ شَرْعِيَّتِهِ فِي الْجُمْلَةِ) وَيُسَمَّى هَذَا الْقِسْمُ رُخْصَةَ إسْقَاطٍ (وَهَذَانِ) الْقِسْمَانِ لِلرُّخْصَةِ (بِاعْتِبَارِ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الرُّخْصَةِ) سَوَاءٌ كَانَ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ أَوْ الْمَجَازِ لِصِحَّةِ إطْلَاقِهَا عَلَيْهِمَا مَجَازًا بِاعْتِبَارِ الصُّورَةِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِسُقُوطِ ذَلِكَ فِي حَقِّنَا تَوْسِعَةً وَتَخْفِيفًا بَعْدَ ثُبُوتِهِ فِي حَقِّ مَنْ قَبْلَنَا إذَا قَابَلْنَا أَنْفُسَنَا بِهِمْ. وَأَمَّا الثَّانِي فَلِسُقُوطِهِ فِي مَحِلِّ الْعُذْرِ مَعَ شَرْعِيَّتِهِ فِي الْجُمْلَةِ وَمِنْ ثَمَّةَ كَانَتْ الْمَجَازِيَّةُ فِي الْأَوَّلِ أَتَمُّ (لَا) أَنَّهُمَا قِسْمَانِ لِلرُّخْصَةِ بِاعْتِبَارِ (حَقِيقَتِهَا) وَهِيَ مَا اُسْتُبِيحَ مَعَ قِيَامِ الدَّلِيلِ الْمُحَرِّمِ لِانْتِفَائِهَا فِيهِمَا فَهَذَا التَّقْسِيمُ إنَّمَا يُخْرِجُ الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلِينَ لَا غَيْرُ بِخِلَافِ التَّقْسِيمِ الْحَقِيقِيِّ لِلْعَزِيمَةِ فَإِنَّهُ يُخْرِجُ الْأَرْبَعَةَ، ثُمَّ مِثْلُ هَذَا الْأَخِيرِ بِقَوْلِهِ (كَالْقَصْرِ) لِلصَّلَاةِ الرُّبَاعِيَّةِ لِلْمُسَافِرِ (لِإِيجَابِ السَّبَبِ) الْمُوجِبِ لَهَا (وَالْأَرْبَعِ فِي غَيْرِ الْمُسَافِرِ وَرَكْعَتَيْنِ فِيهِ) أَيْ الْمُسَافِرِ (بِحَدِيثِ عَائِشَةَ) فِي الصَّحِيحَيْنِ حَيْثُ قَالَتْ فُرِضَتْ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ (وَسُقُوطُ حُرْمَةِ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ) أَيْ شُرْبِ الْخَمْرِ وَأَكْلِ الْمَيْتَةِ مَخَافَةَ الْهَلَاكِ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الْعَطَشِ وَالْجُوعِ (وَالْمُكْرَهِ) عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ وَأَكْلِ الْمَيْتَةِ بِالْقَتْلِ فَحُرْمَتُهُمَا سَاقِطَةٌ مَعَ عُذْرِ الِاضْطِرَارِ ثَابِتًا عِنْدَ عَدَمِهِ وَهَذَا صَحِيحٌ وَاضِحٌ عَلَى مَا هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ مِنْ سُقُوطِ الْحُرْمَةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ (لِلِاسْتِثْنَاءِ) أَيْ لقوله تعالى {إلَّا مَا اُضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ} مِنْ قوله تعالى {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} إذْ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ الْحَظْرِ إبَاحَةٌ (فَتَجِبُ الرُّخْصَةُ) الَّتِي هِيَ الشُّرْبُ وَالْأَكْلُ كَمَا يَجِبُ شُرْبُ الْمَاءِ وَأَكْلُ الْخُبْزِ لِدَفْعِ الْهَلَاكِ (وَلَوْ مَاتَ لِلْعَزِيمَةِ) أَيْ لِلِامْتِنَاعِ عَنْهُمَا (أَثِمَ) كَمَا لَوْ امْتَنَعَ مِنْ شُرْبِ الْمَاءِ وَأَكْلِ الْخُبْزِ حَتَّى مَاتَ لِإِلْقَائِهِ بِنَفْسِهِ إلَى التَّهْلُكَةِ مِنْ غَيْرِ مُلْجِئٍ لَكِنَّ هَذَا إذَا عَلِمَ بِالْإِبَاحَةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ؛ لِأَنَّ فِي انْكِشَافِ الْحُرْمَةِ خَفَاءً فَيُعْذَرُ بِالْجَهْلِ ذَكَرَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ وَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِهَا مُضْطَرٌّ إذَا حَلَفَ لَا يَاكُلُ الْحَرَامَ وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ أَبُو يُوسُفَ فِي رِوَايَةٍ أَنَّ الْحُرْمَةَ لَا تَرْتَفِعُ، وَإِنَّمَا رُفِعَ إثْمُهَا كَمَا فِي الْإِكْرَاهِ عَلَى الْكُفْرِ فَلَا يَاثَمُ بِالِامْتِنَاعِ وَيَحْنَثُ فِي الْحَلِفِ الْمَذْكُورِ وَعَلَى هَذَا فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ مِثْلِ هَذَا الْقِسْمِ بَلْ يَكُونُ مِنْ مِثْلِ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ قَالُوا لقوله تعالى {فَمَنْ اُضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} أَيْ يُغْفَرُ لَهُ مَا أَكَلَ مِمَّا حُرِّمَ عَلَيْهِ حِينَ اُضْطُرَّ إلَيْهِ فَدَلَّ إطْلَاقُ الْمَغْفِرَةِ عَلَى قِيَامِ الْحُرْمَةِ إلَّا أَنَّهُ تَعَالَى رَفَعَ الْمُؤَاخَذَةَ رَحْمَةً عَلَى عِبَادِهِ. وَأُجِيبُ بِأَنَّ إطْلَاقَ ذِكْرِ الْمَغْفِرَةِ مَعَ الْإِبَاحَةِ بِاعْتِبَارِ مَا يَقَعُ مِنْ تَنَاوُلِ الْقَدْرِ الزَّائِدِ عَلَى بَقَاءِ الْمُهْجَةِ إذْ يَعْسُرُ عَلَى الْمُضْطَرِّ رِعَايَةُ ذَلِكَ هَذَا وَأَوْرَدَ الْمُكْرَهُ إنْ كَانَ مُضْطَرًّا لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِهِ فَائِدَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُضْطَرًّا لَمْ يَدْخُلْ فِي إلَّا مَا اُضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ وَأُجِيبُ بِأَنَّ كُلَّ مُكْرَهٍ بِمَا فِيهِ إلْجَاءٌ عَلَى مَا هُوَ الْمُرَادُ هُنَا مُضْطَرٌّ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ إلَّا أَنَّ الِاضْطِرَارَ نَوْعَانِ مَا يَكُونُ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ وَمَا يَكُونُ مِنْ جِهَةِ الْغَيْرِ وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُسَمَّى بِالْإِكْرَاهِ عُرْفًا وَيَسْتَبِدُّ بِنَوْعٍ مِنْ الْأَحْكَامِ فَيَكُونُ فِي ذِكْرِهِ إشَارَةٌ إلَى النَّوْعَيْنِ جَمِيعًا وَإِلَى أَنَّهُمَا فِي هَذَا الْحُكْمِ سَوَاءٌ (وَمِنْهُ) أَيْ الْقِسْمِ الْأَخِيرِ مِنْ الرُّخْصَةِ (سُقُوطُ غَسْلِ الرِّجْلِ) الَّذِي كَانَ الْعَزِيمَةَ حَيْثُ لَا خُفَّ (مَعَ الْخُفِّ) فِي مُدَّةِ الْمَسْحِ؛ لِأَنَّ اسْتِتَارَ الْقَدَمِ بِالْخُفِّ مَنْعُ سِرَايَةِ الْحَدَثِ إلَيْهَا بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ نَزَعَهُ بَعْدَ الْمَسْحِ لَزِمَهُ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ وَلَوْ لَمْ يَسِرِ إلَيْهِمَا لَمْ يَجِبْ إذْ لَا يَجِبُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الْبَدَنِ بِدُونِ الْحَدَثِ فَظَهَرَ أَنَّ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ فِي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت