الْمَذْكُورُ كُلَّ الْجَزَاءِ، فَلَوْ أَوْجَبْنَا الْكَفَّارَةَ لَكَانَ الْمَذْكُورُ بَعْضَهُ وَهُوَ خَلَفٌ انْتَهَى أَقُولُ: لِلْخَصْمِ أَنْ يَقُولَ: هَذَا مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ؛ إذْ الْقِصَاصُ وَاجِبٌ فِي الْقَتْلِ الْعَمْدِ بِالْإِجْمَاعِ، فَلَوْ اقْتَضَتْ الْفَاءُ أَنْ يَكُونَ الْمَذْكُورُ بَعْدَهَا كُلَّ الْجَزَاءِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْقِصَاصُ أَيْضًا مَذْكُورًا فِي الْجَزَاءِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ وَإِنْ حُمِلَ الْجَزَاءُ الْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ عَلَى الْجَزَاءِ الْأُخْرَوِيِّ فَقَطْ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ النَّظْمِ الشَّرِيفِ وَقِيلَ الْقِصَاصُ جَزَاءٌ دُنْيَوِيٌّ فَلِهَذَا لَمْ يُذْكَرْ بَعْدَ الْفَاءِ فَلْيَكُنْ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فِي شَانِ الْكَفَّارَةِ ثُمَّ أَقُولُ: يُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ وُجُوبَ الْقِصَاصِ عُرِفَ بِآيَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ قوله تعالى {كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} فَإِنْ دَلَّتْ إشَارَةُ قوله تعالى {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا} عَلَى أَنَّ الْقِصَاصَ لَيْسَ مِنْ جَزَاءِ الْقَتْلِ الْعَمْدِ كَالْكَفَّارَةِ بِمُقْتَضَى كَوْنِ الْمَذْكُورِ بَعْدَ الْفَاءِ كُلَّ الْجَزَاءِ فَقَدْ دَلَّتْ عِبَارَةُ قوله تعالى {كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} عَلَى وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي الْقَتْلِ الْعَمْدِ وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ أَنَّ عِبَارَةَ النَّصِّ تُرَجَّحُ عَلَى إشَارَةِ النَّصِّ عِنْدَ التَّعَارُضِ فَعَمِلْنَا بِعِبَارَةِ قوله تعالى {كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} وَثَانِيهِمَا: أَنَّ الْقِصَاصَ جَزَاءُ الْمَحَلِّ مِنْ وَجْهٍ وَجَزَاءُ الْفِعْلِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ كَمَا بَيَّنَ فِي التَّوْضِيحِ وَغَيْرِهِ مِنْ كُتُبِ الْأُصُولِ وَأَمَّا الْكَفَّارَةُ فَجَزَاءُ الْفِعْلِ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ أَيْضًا وَالظَّاهِرُ مِنْ الْجَزَاءِ الْمُضَافِ إلَى الْفَاعِلِ فِي قوله تعالى {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا} هُوَ جَزَاءُ فِعْلِهِ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ، فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْقِصَاصُ مَذْكُورًا فِيهِ، بِخِلَافِ الْكَفَّارَةِ لَوْ أَوْجَبْنَاهَا وَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ هَا هُنَا نَقْلًا عَنْ الْمَبْسُوطِ وَالْأَسْرَارِ: وَلَا وَجْهَ لِحَمْلِ الْآيَةِ عَلَى الْمُسْتَحِلِّ؛ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْآيَةِ جَزَاءُ الْقَتْلِ الْعَمْدِ، وَإِذَا حُمِلَ عَلَى الْمُسْتَحِلِّ كَانَ الْمَذْكُورُ جَزَاءَ الرِّدَّةِ، وَلِأَنَّ زِيَادَةَ الِاسْتِحْلَالِ زِيَادَةٌ عَلَى الشَّرْطِ الْمَنْصُوصِ فَيَكُونُ نَسْخًا وَأَمَّا تَاوِيلُ الْخُلُودِ فَعَلَى مَعْنَى أَنَّهُ لَوْ عَامَلَهُ بِعَدْلِهِ أَوْ عَلَى مَعْنَى تَطْوِيلِ الْمُدَّةِ مَجَازًا يُقَالُ خَلَدَ فُلَانٌ فِي السِّجْنِ إذَا طَالَتْ الْمُدَّةُ انْتَهَى أَقُولُ: لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَيْنِك الدَّلِيلَيْنِ الْمَسُوقَيْنِ لِعَدَمِ وَجْهِ حَمْلِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى الْمُسْتَحِلِّ بِمُسْتَقِيمٍ أَمَّا الْأَوَّلُ مِنْهُمَا فَلِأَنَّ كَوْنَ الْمَذْكُورِ فِي هَاتِيك الْآيَةِ جَزَاءَ قَتْلِ الْعَمْدِ مِمَّا لَا يُنَافِيهِ كَوْنُهُ جَزَاءَ الرِّدَّةِ أَيْضًا عَلَى تَقْدِيرِ حَمْلِهَا عَلَى الْمُسْتَحِلِّ، إذْ يَصِيرُ الْمَذْكُورُ فِيهَا عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ جَزَاءَ الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْمَخْصُوصِ وَهُوَ الْقَتْلُ بِطَرِيقِ الِاسْتِحْلَالِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْقَتْلَ بِهَذَا الطَّرِيقِ مُسْتَلْزِمٌ لِلرِّدَّةِ، فَفِي الْآيَةِ؛ إذْ ذَاكَ بَيَانُ جَزَاءِ الرِّدَّةِ الَّتِي سَبَبُهَا الْقَتْلُ الْمَخْصُوصُ، وَفِي التَّعْبِيرِ فِي الشَّرْطِ بِمَنْ {مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا} دُونَ مَنْ يَرْتَدُّ عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ فَائِدَةُ التَّنْبِيهِ عَلَى سَبَبِيَّةِ قَتْلِ الْمُؤْمِنِ بِطَرِيقِ الِاسْتِحْلَالِ لِلِارْتِدَادِ الَّذِي جَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ عَلَى الْخُلُودِ، وَهَذَا مَعْنًى لَطِيفٌ لَا يَخْفَى وَأَمَّا الثَّانِي مِنْهُمَا فَلِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ حَمْلِ الْآيَةِ الْمَزْبُورَةِ عَلَى الْمُسْتَحِلِّ زِيَادَةُ الِاسْتِحْلَالِ عَلَى الشَّرْطِ الْمَنْصُوصِ، بَلْ يَكُونُ الِاسْتِحْلَالُ حِينَئِذٍ مَدْلُولَ نَفْسِ الشَّرْطِ الْمَنْصُوصِ بِأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ {مُتَعَمِّدًا} مَعْنَى مُسْتَحِلًّا مَجَازًا بِقَرِينَةِ ذِكْرِ الْخُلُودِ، فِي الْجَزَاءِ، كَمَا أَنَّ أَئِمَّتَنَا حَمَلُوا مُتَعَمِّدًا عَلَى هَذَا الْمَعْنَى فِي قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم {مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ مُتَعَمِّدًا فَقَدْ كَفَرَ} وَبِأَنْ يَكُونَ مَعْنَى مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مَنْ يَقْتُلُهُ لِكَوْنِهِ مُؤْمِنًا كَمَا ذَكَرَهُ الْعَلَّامَةُ التَّفْتَازَانِيُّ فِي شَرْحِهِ لِلْعَقَائِدِ، فَيَكُونُ مَدَارُهُ عَلَى قَاعِدَةِ أَنَّ تَرْتِيبَ الْحُكْمِ عَلَى الْمُشْتَقِّ يَقْتَضِي عَلَيْهِ الْمَاخَذَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ قَتْلَ الْمُؤْمِنِ لِكَوْنِهِ مُؤْمِنًا يَقْتَضِي اسْتِحْلَالَ قَتْلِهِ فَيَحْصُلُ الدَّلَالَةُ عَلَى الِاسْتِحْلَالِ مِنْ نَظْمِ النَّصِّ الْمَزْبُورِ فَلَا يَلْزَمُ النَّسْخُ أَصْلًا، وَالْعَجَبُ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَجِلَّاءِ وَهُوَ أَصْحَابُ الْمَبْسُوطِ وَالْأَسْرَارِ وَالنِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ أَنَّهُ كَيْفَ خَفِيَ عَلَيْهِمْ مَا ذَكَرْنَا قَالَ الْقَاضِي الْبَيْضَاوِيُّ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ: وَهُوَ عِنْدَنَا إمَّا مَخْصُوصٌ بِالْمُسْتَحِلِّ لَهُ كَمَا ذَكَرَهُ عِكْرِمَةُ وَغَيْرُهُ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ نَزَلَ فِي مِقْيَسِ بْنِ