وَمُضْطَرٌّ) (وَمَيْتَةٌ) . وَالْمُكَلَّفُ مَامُورٌ شَرْعًا بِالْكَفِّ عَمَّا يُتْلِفُ الْحَيَاةَ أَوْ يَضُرُّهَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} وَقَدْ {احْتَجَّ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ رضي الله عنه بِهَذِهِ الْآيَةِ، حِين امْتَنَعَ عَنْ الِاغْتِسَالِ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ، حِينَ أَجْنَبَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ خَوْفًا عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الْهَلَاكِ، فَأَقَرَّهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى ذَلِكَ} .
7 -مَنْ كَانَ ضَعِيفَ الْخِلْقَةِ بِحَيْثُ لَوْ خُتِنَ خِيفَ عَلَيْهِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُخْتَنَ حَتَّى عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِوُجُوبِهِ، بَلْ يُؤَجَّلُ حَتَّى يَصِيرَ بِحَيْثُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ سَلَامَتُهُ، لِأَنَّهُ لَا تَعَبُّدَ فِيمَا يُفْضِي إلَى التَّلَفِ؛ وَلِأَنَّ بَعْضَ الْوَاجِبَاتِ يَسْقُطُ بِخَوْفِ الْهَلَاكِ فَالسُّنَّةُ أَحْرَى، وَهَذَا عِنْدَ مَنْ يَقُولُ إنَّ الْخِتَانَ سُنَّةٌ. وَلِلْحَنَابِلَةِ تَفْصِيلٌ فِي مَذْهَبِهِمْ، مُلَخَّصُهُ أَنَّ وُجُوبَ الْخِتَانِ يَسْقُطُ عَمَّنْ خَافَ تَلَفًا، وَلَا يَحْرُمُ مَعَ خَوْفِ التَّلَفِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَيَقَّنٍ، أَمَّا مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَتْلَفُ بِهِ وَجَزَمَ بِذَلِكَ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْخِتَانُ لقوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} .
(الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ) :
2 -لَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ تَعْرِيضَ النَّفْسِ لِخَطَرِ الْهَلَاكِ حَرَامٌ؛ لِأَنَّ حِفْظَهَا مِنْ أَهَمِّ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} . قَالَ الْخَازِنُ: كُلُّ شَيْءٍ فِي عَاقِبَتِهِ هَلَاكٌ، فَهُوَ تَهْلُكَةٌ. وَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} وَعَنْ {عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنه قَالَ: احْتَلَمْت فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ فَأَشْفَقْت إنْ اغْتَسَلْت أَنْ أَهْلَك، فَتَيَمَّمْت ثُمَّ صَلَّيْت بِأَصْحَابِي الصُّبْحَ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا عَمْرُو، صَلَّيْت بِأَصْحَابِك الصُّبْحَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟ فَأَخْبَرْته بِاَلَّذِي مَنَعَنِي مِنْ الِاغْتِسَالِ، وَقُلْت: إنِّي سَمِعْت اللَّهَ يَقُولُ: وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا. وَيَتَعَلَّقُ بِالْخَطَرِ الرُّخَصُ الشَّرْعِيَّةُ، فَيُبَاحُ بِالْخَطَرِ أَكْلُ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ، وَأَكْلُ سَائِرِ النَّجَاسَاتِ وَالْخَبَائِثِ اضْطِرَارًا، وَإِسَاغَةُ الْغُصَّةِ بِالْخَمْرِ لِدَفْعِ الْخَطَرِ عَنْ النَّفْسِ، وَيَجِبُ قَطْعُ الْعُضْوِ الْمُتَآكِلِ إذَا كَانَ فِي تَرْكِهِ خَطَرٌ عَلَى النَّفْسِ (ر: ضَرَرٌ، مَشَقَّةٌ)
سِمٌّ التَّعْرِيفُ:
1 -السُّمُّ بِتَثْلِيثِ السِّينِ فِي اللُّغَةِ: الْمَادَّةُ الْقَاتِلَةُ، وَجَمْعُهَا سُمُومٌ وَسِمَامٌ، وَيُقَالُ: هَذَا شَيْءٌ مَسْمُومٌ: أَيْ: فِيهِ سُمٌّ، وَسَمَّ الطَّعَامَ: جَعَلَ فِيهِ السُّمَّ. وَالْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيُّ لَا يَخْرُجُ عَنْ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
(الْأَلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ) : أ - التِّرْيَاقُ: 2 - هُوَ بِكَسْرِ التَّاءِ وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا: دِرْيَاقٌ دَوَاءُ السُّمُومِ - فَفِي الْحَدِيثِ: {إنَّ فِي عَجْوَةِ الْعَالِيَةِ شِفَاءً، أَوْ إنَّهَا تِرْيَاقٌ، أَوَّلَ الْبُكْرَةِ} وَيُطْلَقُ عَلَى كُلِّ مَا يُسْتَعْمَلُ لِدَفْعِ السُّمِّ، فِي الْأَدْوِيَةِ، وَالْمَعَاجِينِ. ب - (الدَّوَاءُ) : 3 - الدَّوَاءُ مِنْ دَاوَيْت الْعَلِيلَ دَوَاءً وَمُدَاوَاةً إذَا عَالَجْته بِالْأَشْفِيَةِ الَّتِي تُوَافِقُهُ.
الْأَحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالسُّمِّ: تَنَاوُلُ السُّمِّ: 4 - لَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي حُرْمَةِ تَنَاوُلِ مَا يَقْتُلُ مِنْ السُّمِّ بِلَا حَاجَةٍ إلَيْهِ، لقوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} وَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} .
دَفْعُ الصَّائِلِ عَلَى النَّفْسِ وَمَا دُونَهَا:
5 -اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ دَفْعِ الصَّائِلِ عَلَى النَّفْسِ وَمَا دُونَهَا. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ - وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ - إلَى وُجُوبِ دَفْعِ الصَّائِلِ عَلَى النَّفْسِ وَمَا دُونَهَا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الصَّائِلُ كَافِرًا أَوْ مُسْلِمًا، عَاقِلًا أَوْ مَجْنُونًا، بَالِغًا أَوْ صَغِيرًا، مَعْصُومَ الدَّمِ أَوْ غَيْرَ مَعْصُومِ الدَّمِ، آدَمِيًّا أَوْ غَيْرَهُ. وَاسْتَدَلَّ أَصْحَابُ هَذَا الرَّايِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} فَالِاسْتِسْلَامُ لِلصَّائِلِ إلْقَاءٌ بِالنَّفْسِ لِلتَّهْلُكَةِ، لِذَا كَانَ الدِّفَاعُ عَنْهَا وَاجِبًا. وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: