فهرس الكتاب

الصفحة 158 من 396

يُحْيِي نَفْسَهُ، لقوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} . وقوله تعالى: {فَمَنْ اُضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ} أَيْ عَلَى مُضْطَرٍّ آخَرَ {وَلَا عَادٍ} أَيْ سَدَّ الْجَوْعَةَ فَأَكَلَ {فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ} . قَالَ الزَّرْكَشِيّ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ خَوْفُ حُصُولِ الشَّيْنِ الْفَاحِشِ فِي عُضْوٍ ظَاهِرٍ، كَخَوْفِ طُولِ الْمَرَضِ كَمَا فِي التَّيَمُّمِ. وَاكْتَفَى بِالظَّنِّ، كَمَا فِي الْإِكْرَاهِ عَلَى أَكْلِ ذَلِكَ، فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّيَقُّنُ وَلَا الْإِشْرَافُ عَلَى الْمَوْتِ. وَلِلْمُضْطَرِّ أَنْ يَاكُلَ مَا يَسُدُّ الرَّمَقَ أَيْ مَا يَحْفَظُ الْحَيَاةَ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. قَالَ الْمَوَّاقُ: وَنَصُّ الْمُوَطَّأِ: وَمِنْ أَحْسَنِ مَا سَمِعْته فِي الرَّجُلِ يُضْطَرُّ إلَى الْمَيْتَةِ أَنَّهُ يَاكُلُ مِنْهَا حَتَّى يَشْبَعَ وَيَتَزَوَّدَ مِنْهَا، فَإِنْ وَجَدَ عَنْهَا غِنًى طَرَحَهَا. وَيَحْرُمُ الْأَكْلُ مِنْ الْمَيْتَةِ عَلَى الْمُضْطَرِّ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ، كَقَاطِعِ الطَّرِيقِ وَالْآبِقِ، لقوله تعالى: {فَمَنْ اُضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ} قَالَ مُجَاهِدٌ: غَيْرَ بَاغٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَلَا عَادٍ عَلَيْهِمْ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إذَا خَرَجَ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ فَلَا رُخْصَةَ لَهُ. فَإِنْ تَابَ وَأَقْلَعَ عَنْ مَعْصِيَتِهِ حَلَّ لَهُ الْأَكْلُ. وَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ وَتَفْصِيلٌ يُرْجَعُ إلَيْهِ تَحْتَ عِنْوَانِ (اضْطِرَارٌ) . وَإِنْ اُضْطُرَّ فَلَمْ يَجِدْ مَيْتَةً، وَمَعَ رَجُلٍ شَيْءٌ كَانَ لَهُ أَنْ يُكَابِرَهُ، وَعَلَى الرَّجُلِ أَنْ يُعْطِيَهُ، وَإِذَا كَابَرَهُ أَعْطَاهُ ثَمَنَهُ وَافِيًا، فَإِنْ كَانَ إذَا أَخَذَ شَيْئًا خَافَ مَالِكُ الْمَالِ عَلَى نَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مُكَابَرَتُهُ. قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي الذَّخِيرَةِ: وَإِذَا أَكَلَ مَالَ مُسْلِمٍ اقْتَصَرَ عَلَى سَدِّ الرَّمَقِ، إلَّا أَنْ يَعْلَمَ طُولَ الطَّرِيقِ فَلْيَتَزَوَّدْ، لِأَنَّ مُوَاسَاتَهُ تَجِبُ إذَا جَاعَ.

ثَانِيًا: هُجُومُ الْوَاحِدِ عَلَى صَفِّ الْعَدُوِّ: 11 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ هُجُومِ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَحْدَهُ عَلَى جَيْشِ الْعَدُوِّ، مَعَ التَّيَقُّنِ بِأَنَّهُ سَيُقْتَلُ. فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إلَى جَوَازِ إقْدَامِ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ عَلَى الْكَثِيرِ مِنْ الْكُفَّارِ، إنْ كَانَ قَصْدُهُ إعْلَاءَ كَلِمَةِ اللَّهِ، وَكَانَ فِيهِ قُوَّةٌ وَظَنَّ تَاثِيرَهُ فِيهِمْ، وَلَوْ عَلِمَ ذَهَابَ نَفْسِهِ، فَلَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ انْتِحَارًا. وَقِيلَ إذَا طَلَبَ الشَّهَادَةَ، وَخَلَصَتْ النِّيَّةُ فَلْيَحْمِلْ، لِأَنَّ مَقْصُودَهُ وَاحِدٌ مِنْ الْأَعْدَاءِ، وَذَلِكَ بَيِّنٌ فِي قوله تعالى: {وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ} ، وَقَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنْ يَكُونَ قَدْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنْ سَيَقْتُلُ مَنْ حَمَلَ عَلَيْهِ وَيَنْجُو، وَكَذَلِكَ لَوْ عَلِمَ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يُقْتَلُ، لَكِنْ سَيَنْكِي نِكَايَةً أَوْ سَيُبْلِي أَوْ يُؤَثِّرُ أَثَرًا يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ. وَلَا يُعْتَبَرُ هَذَا إلْقَاءَ النَّفْسِ إلَى التَّهْلُكَةِ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} لِأَنَّ مَعْنَى التَّهْلُكَةِ - كَمَا فَسَّرَهَا أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ - هُوَ الْإِقَامَةُ فِي الْأَمْوَالِ وَإِصْلَاحُهَا وَتَرْكُ الْجِهَادِ. لِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَسْلَمَ أَبِي عِمْرَانَ حِكَايَةً عَنْ غَزْوِ الْقُسْطَنْطِينِيَّة أَنَّهُ {حَمَلَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْمَلِينَ عَلَى صَفِّ الرُّومِ حَتَّى دَخَلَ فِيهِمْ، فَصَاحَ النَّاسُ، وَقَالُوا: سُبْحَانَ اللَّهِ، يُلْقِي بِيَدَيْهِ إلَى التَّهْلُكَةِ، فَقَامَ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّكُمْ تَتَأَوَّلُونَ هَذِهِ الْآيَةَ هَذَا التَّاوِيلَ، وَإِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِينَا مَعَاشِرَ الْأَنْصَارِ لَمَّا أَعَزَّ اللَّهُ الْإِسْلَامَ وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ، فَقَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ سِرًّا دُونَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إنَّ أَمْوَالَنَا قَدْ ضَاعَتْ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعَزَّ الْإِسْلَامَ وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ، فَلَوْ أَقَمْنَا فِي أَمْوَالِنَا فَأَصْلَحْنَا مَا ضَاعَ مِنْهَا، فَأَنْزَلَ عَلَى نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم يَرُدُّ عَلَى مَا قُلْنَا وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} فَكَانَتْ التَّهْلُكَةُ الْإِقَامَةَ عَلَى الْأَمْوَالِ وَإِصْلَاحَهَا وَتَرْكَنَا الْغَزْوَ وَنَقَلَ الرَّازِيُّ رِوَايَةً عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّ {رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ذَكَرَ الْجَنَّةَ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَرَأَيْت إنْ قُتِلْت فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَيْنَ أَنَا؟ قَالَ: فِي الْجَنَّةِ، فَأَلْقَى تَمَرَاتٍ فِي يَدَيْهِ ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ} . كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَالصَّحِيحُ عِنْدِي جَوَازُهُ، لِأَنَّ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: طَلَبُ الشَّهَادَةِ. الثَّانِي: وُجُودُ النِّكَايَةِ. الثَّالِثُ: تَجْرِئَةُ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ. الرَّابِعُ: ضَعْفُ نُفُوسِ الْأَعْدَاءِ، لِيَرَوْا أَنَّ هَذَا صُنْعُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَمَا ظَنُّك بِالْجَمِيعِ. وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ: إنْ عَلِمَ أَنَّهُ إذَا حَارَبَ قُتِلَ، وَإِذَا لَمْ يُحَارِبْ أُسِرَ لَمْ يَلْزَمْهُ الْقِتَالُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت