فهرس الكتاب

الصفحة 318 من 396

شُرُوطِهِمْ فَإِنْ خَانَهُمْ، أَوْ سَرَقَ مِنْهُمْ، أَوْ اقْتَرَضَ شَيْئًا، وَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّ مَا أَخَذَ إلَى أَرْبَابِهِ، فَإِنْ جَاءَ أَرْبَابُهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ بِأَمَانٍ، أَوْ إيمَانٍ، رَدَّهُ عَلَيْهِمْ، وَإِلَّا بَعَثَ بِهِ إلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ عَلَى وَجْهٍ حَرُمَ عَلَيْهِ أَخْذُهُ، فَلَزِمَهُ رَدُّ مَا أَخَذَ، كَمَا لَوْ أَخَذَهُ مِنْ مَالِ مُسْلِمٍ. قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ: وَمِمَّا يُوَافِقُ التَّنْزِيلَ وَالسُّنَّةَ وَيَعْقِلُهُ الْمُسْلِمُونَ، وَيَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ، أَنَّ الْحَلَالَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ حَلَالٌ فِي بِلَادِ الْكُفْرِ، وَالْحَرَامَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ حَرَامٌ فِي بِلَادِ الْكُفْرِ، فَمَنْ أَصَابَ حَرَامًا، فَقَدْ حَدَّهُ اللَّهُ عَلَى مَا شَاءَ مِنْهُ، وَلَا تَضَعُ عَنْهُ بِلَادُ الْكُفْرِ شَيْئًا.

الْخَطَرُ الْمُؤَثِّرُ فِي إسْقَاطِ الْعِبَادَاتِ أَوْ تَخْفِيفِهَا:

3 -لَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْمَشَقَّةَ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ عُمُومًا، وَأَنَّ الْمَشَقَّةَ إذَا بَلَغَتْ حَدَّ الْخَطَرِ عَلَى النَّفْسِ وَالْأَطْرَافِ وَمَنَافِعُهَا تُوجِبُ التَّرْخِيصَ، وَالتَّخْفِيفَ. وَقَالُوا: إنَّ حِفْظَ الْمُهَجِ وَالْأَطْرَافِ لِإِقَامَةِ مَصَالِحِ الدِّينِ أَوْلَى مِنْ تَعْرِيضِهَا لِلْفَوَاتِ فِي عِبَادَةٍ أَوْ عِبَادَاتٍ، يَفُوتُ بِهَا أَمْثَالُهَا. فَيَجِبُ التَّيَمُّمُ إذَا كَانَ فِي اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فِي الْوُضُوءِ وَالِاغْتِسَالِ مِنْ الْجَنَابَةِ خَطَرٌ عَلَى نَفْسٍ، أَوْ عُضْوٍ أَوْ مَنْفَعَتِهِ، أَوْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَاءِ عَدُوٌّ، أَوْ سَبُعٌ؛ لِأَنَّ إلْقَاءَ النَّفْسِ فِي التَّهْلُكَةِ حَرَامٌ. (ر: تَيَمُّمٌ، مَرَضٌ) . وَيَسْقُطُ وُجُوبُ الْحَجِّ إذَا كَانَ فِي السَّفَرِ خَطَرٌ عَلَى نَفْسٍ، أَوْ عُضْوٍ، أَوْ عِرْضٍ، أَوْ مَالٍ، كَمَا يَحْرُمُ رُكُوبُ الْبَحْرِ لِأَدَاءِ الْحَجِّ إنْ غَلَبَ الْهَلَاكُ فِيهِ، أَوْ تَسَاوَى الْهَلَاكُ وَالسَّلَامَةُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْخَطَرِ (ر: حَجٌّ) وَيَسْقُطُ الصَّوْمُ عَنْ الْمُرْضِعِ وَالْحَامِلِ، وَالْمَرِيضِ، إذَا كَانَ فِي الصَّوْمِ خَطَرٌ عَلَى الْمُرْضِعِ وَالْحَامِلِ، أَوْ عَلَى الرَّضِيعِ وَالْجَنِينِ، أَوْ خَافَ الْمَرِيضُ الْمَوْتَ، أَوْ زِيَادَةَ الْمَرَضِ (ر: صَوْمٌ) . وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قوله تعالى {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} وَفِي تَعْرِيضِ النَّفْسِ وَالْأَعْضَاءِ لِلْخَطَرِ، حَرَجٌ أَيُّ حَرَجٍ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: فِي قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ} ، قَالَ: إذَا كَانَ بِالرَّجُلِ الْجِرَاحَةُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْقُرُوحُ، فَيَخَافُ أَنْ يَمُوتَ إنْ اغْتَسَلَ تَيَمَّمَ. وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ {: خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا حَجَرٌ فَشَجَّهُ فِي رَاسِهِ، ثُمَّ احْتَلَمَ فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ فَقَالَ: هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ؟ فَقَالُوا: مَا نَجِدُ لَك رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ. فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ. فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أُخْبِرَ بِذَلِكَ، فَقَالَ: قَتَلُوهُ قَتَلَهُمْ اللَّهُ، أَلَا سَأَلُوا إذْ لَمْ يَعْلَمُوا؟ فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ. إنَّمَا يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ، وَيَعْصِبَ} فَاعْتَبَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ذَلِكَ قَتْلًا، وَاَللَّهُ يَقُولُ: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} .

4 -وَيُسْتَثْنَى مِنْ قَوَاعِدِ دَرْءِ الْخَطَرِ، الْجِهَادُ، فَيَجُوزُ الْمُخَاطَرَةُ بِالنَّفْسِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ قُرِّرَ مَعَ الْمَشَقَّةِ. وَمَا الْجِهَادُ إلَّا بَذْلُ الْوُسْعِ، وَالطَّاقَةِ بِالْقِتَالِ أَوْ الْمُبَالَغَةِ فِي الْقِتَالِ، لِهَذَا حَرُمَ انْهِزَامُ مِائَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَنْ مِائَتَيْنِ مِنْ الْكُفَّارِ فِي قوله تعالى: {إنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} وَجَاءَ فِي الْأَثَرِ {عَجِبَ رَبُّنَا مِنْ رَجُلٍ غَزَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَانْهَزَمَ - يَعْنِي أَصْحَابَهُ - فَعَلِمَ مَا عَلَيْهِ، فَرَجَعَ حَتَّى أُهْرِيقَ دَمُهُ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِمَلَائِكَتِهِ: اُنْظُرُوا إلَى عَبْدِي رَجَعَ رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي، وَشَفَقَةً مِمَّا عِنْدِي، حَتَّى أُهْرِيقَ دَمُهُ} . (ر: جِهَادٌ) . وَيُسْتَثْنَى أَيْضًا دَفْعُ الصَّائِلِ عَلَى النَّفْسِ أَوْ الْمَالِ أَوْ الْعِرْضِ (ر: صِيَالٌ) .

ثَانِيًا - السُّؤَالُ بِمَعْنَى طَلَبِ الْحَاجَةِ: التَّعَرُّضُ لِلصَّدَقَةِ بِالسُّؤَالِ، أَوْ إظْهَارِ أَمَارَةِ الْفَاقَةِ:

9 -يَحْرِصُ الْإِسْلَامُ عَلَى حِفْظِ كَرَامَةِ الْمُسْلِمِ، وَصَوْنِ نَفْسِهِ عَنْ الِابْتِذَالِ وَالْوُقُوفِ بِمَوَاقِف الذُّلِّ وَالْهَوَانِ، فَحَذَّرَ مِنْ التَّعَرُّضِ لِلصَّدَقَةِ بِالسُّؤَالِ، أَوْ بِإِظْهَارِ أَمَارَاتِ الْفَاقَةِ، بَلْ حَرَّمَ السُّؤَالَ عَلَى مَنْ يَمْلِكُ مَا يُغْنِيهِ عَنْهَا مِنْ مَالٍ أَوْ قُدْرَةٍ عَلَى التَّكَسُّبِ، سَوَاءٌ كَانَ مَا يَسْأَلُهُ زَكَاةً أَوْ تَطَوُّعًا أَوْ كَفَّارَةً، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُ ذَلِكَ إنْ أُعْطِيَ بِالسُّؤَالِ أَوْ إظْهَارِ الْفَاقَةِ. قَالَ الشَّبْرامَلِّسِي: لَوْ أَظْهَرَ الْفَاقَةَ وَظَنَّهُ الدَّافِعُ مُتَّصِفًا بِهَا لَمْ يَمْلِكْ مَا أَخَذَهُ، لِأَنَّهُ قَبَضَهُ مِنْ غَيْرِ رِضَا صَاحِبِهِ، إذْ لَمْ يَسْمَحْ لَهُ إلَّا عَلَى ظَنِّ الْفَاقَةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت