فهرس الكتاب

الصفحة 187 من 396

الْخِيَارُ إنْ شِئْتَ نَصَحْتَهُ وَإِنْ شِئْتَ أَمْسَكْتَ، وَإِنْ نَصَحْتَهُ فَلَا تُقْصِرُ مِنْ مَجْهُودِكَ، وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ: الْعِلْمُ يَبْلُغُهُ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ وَالنَّصِيحَةُ لَا تَثْبُتُ إلَّا فِي قُلُوبِ الْمُنْتَخَبِينَ مِنْ عِبَادِهِ الَّذِينَ صَحَّتْ أَقْوَالُهُمْ وَصَدَقَتْ نِيَّاتُهُمْ وَاعْلَمْ أَنَّ جَرْعَةَ النَّصِيحَةِ مُرَّةٌ لَا يَقْبَلُهَا إلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ. قَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ: قَالَ لِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: قُلْ لِي فِي وَجْهِي مَا أَكْرَهُ فَإِنَّ الرَّجُلَ لَا يَنْصَحُ أَخَاهُ حَتَّى يَقُولَ فِي وَجْهِهِ مَا يَكْرَهُ، وَفِي مَنْثُورِ الْحِكَمِ: وَدَّكَ مَنْ نَصَحَكَ وَقَلَاكَ مَنْ مَشَى فِي هَوَاك وَهَذِهِ نَصِيحَةُ بَعْضِ أَصْحَابِنَا مِنْ أَهْلِ الْمَغْرِبِ: أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي مَعْشَرَ الْإِخْوَانِ بِتَقْوَى اللَّهِ فِي السِّرِّ وَالْإِعْلَانِ، وَاتِّبَاعِ دَعْوَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْعَمَلِ بِآثَارِهِمْ، فَإِنَّ الِاتِّبَاعَ أَوْلَى مِنْ الِابْتِدَاعِ، وَالِائْتِمَارِ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ وَالِانْتِهَاءِ عَمَّا نَهَى اللَّهُ، فَاَللَّهُ أَوْعَدَ النَّارَ لِمُخَالِفِهِمْ كَمَا أَوْعَدَ لِمُخَالِفِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى} الْآيَةَ. فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا إخْوَانِي وَاحْذَرُوا مُخَالَفَةَ أَئِمَّتِكُمْ رحمهم الله فِي قَلِيلٍ أَوْ جَلِيلٍ مِنْ دِينِهِمْ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: حَيْثُ مَالَ الْحِمْلُ وَقَعَ، وَمَنْ خَالَفَ الْمُسْلِمِينَ وَلَوْ فِي شِرَاكِ نَعْلٍ هَلَكَ أَيْ مَنْ قَصَدَ خِلَافَهُمْ وَأَنْ لَا يُوَافِقَهُمْ، وَعَلَيْكُمْ بِالْحَذَرِ مِنْ الْخِلَافِ وَالتَّرْكِ بَعْدَ الِاجْتِهَادِ وَالِانْهِمَاكِ فِي الشَّرِّ بَعْدَ الِانْزِجَارِ عَنْهُ وَالطَّرِيقُ مَحْفُورٌ إلَى الرَّكْبِ لَا يُوجَدُ الْخُرُوجُ مِنْهُ إلَّا بِالْوُثُوبِ كَمَا قَالَ أَبُو صَالِحٍ. وَرَفَعَ أَبُو سُفْيَانَ الْحَدِيثَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: ثَبَتَتْ الْأُمُورُ وَانْقَطَعَ الْعُذْرُ، لَا حَمْلَ وَلَا تَجَاهُلَ فِي الْإِسْلَامِ وَاحْذَرُوا تَغْمِيضَ الْحَقِّ فَإِنَّ مَنْ سَفَّهُ مَقَالَةَ الْمُسْلِمِينَ فَذَلِكَ طَعْنٌ يَحِلُّ بِهِ دَمُهُ وَتَسْفِيهَ دِيوَانِهِمْ وَتَنْقِيصَ سِيَرِهِمْ وَتَخْطِئَةَ فَتْوَاهُمْ وَتَحْقِيرَهَا، وَتَخْيِيرَ فَتْوَى غَيْرِهِمْ وَتَصْوِيبَ فَتْوَى غَيْرِهِمْ وَسِيَرِهِمْ عَلَى فَتْوَانَا وَسِيَرِنَا فَهَذَا كُلُّهُ طَعْنٌ يَحِلُّ بِهِ الدَّمُ، وَعَلَيْكُمْ إخْوَانِي بِالنَّظَرِ لِأَنْفُسِكُمْ وَمَا يُخَلِّصُهَا مِنْ النَّارِ الَّتِي عَذَابُهَا طَوِيلٌ دَائِمٌ لَيْسَ لَهُ آخِرٌ، وَاطْلُبُوا مَا يُعِينُكُمْ عَلَى هَذِهِ الْغَدَّارَةِ الْفَانِيَةِ وَلَا تَرْغَبُوا فِيمَا يَفْنَى وَتَذَرُوا مَا يَبْقَى فَإِنَّ الْمَوْتَ عَنْ قَلِيلٍ يُغَافِلُكُمْ وَلَا تَذْهَلُوا عَنْ الِاسْتِعْدَادِ فَإِنَّكُمْ لَمْ تُخْلَقُوا لِهَذِهِ الْفَانِيَةِ وَإِنَّمَا خُلِقْتُمْ لِلْبَاقِيَةِ، رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا أَخَذَ مِنْ نَفْسِهِ لِرَمْسِهِ وَمِنْ يَوْمِهِ لِغَدِهِ وَمِنْ مُرِّهِ لِحُلْوِهِ وَمِنْ مُرْتَحِلِهِ لِمَنْزِلِهِ، وَيَا إخْوَانِي اُتْرُكُوا مَا يَفْنَى تَرْبَحُوا مَا يَبْقَى فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَعْذِرُ جَاهِلًا مُرْتَكِبًا لِمَعَاصِيهِ، وَعَلَيْكُمْ أَنْ تَتَعَلَّمُوا مَا يَدُلُّكُمْ وَيَهْدِيكُمْ، وَتَعَلَّمُوا مَا يُنْجِيكُمْ، إخْوَانِي أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ التَّغَيُّرَ فِي النَّاسِ فَاشٍ وَذَهَبَ الْأَخْيَارُ وَذَلُّوا وَبَقِيَ الْأَشْرَارُ فَاسْتَطَالُوا فَلَا ذِكْرَ يُذْكَرُ، وَلَا وَاعِظَ يَعِظُ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَجِدُّوا وَاجْتَهِدُوا وَعَضُّوا بِالنَّوَاجِذِ عَلَى مَا أَدْرَكْتُمْ عَلَيْهِ الْأَخْيَارَ فَإِنَّ عَادَةَ الضَّلَالِ كَثِيرَةٌ وَاسْتَعِينُوا بِاَللَّهِ وَاصْبِرُوا وَتَوَكَّلُوا وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى، وَأَحْسِنُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:

فصل: وأما اتحاد ذات العبد بذات الرب، بل اتحاد ذات عبد بذات عبد، أو حلول حقيقة في حقيقة ـ كحلول الماء في الوعاء ـ فهذا باطل قطعًا، بل ذلك باطل في العبد مع العبد، فإنه لا تتحد ذاته بذاته، ولا تحل ذات أحدهما في ذات الآخر.

وهذا هو الذي وقعت فيه الاتحادية والحلولية من النصارى وغيرهم، من غالية هذه الأمة وغيرها، وهو اتحاد متجدد بين ذاتين كانتا متميزتين، فصارتا متحدتين، أو حلول إحداهما في الأخرى، فهذا بيِّن البطلان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت