لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: {مَنْ سَأَلَ النَّاسَ وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَسْأَلَتُهُ خُمُوشٌ، أَوْ خُدُوشٌ، أَوْ كُدُوحٌ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا يُغْنِيهِ؟ قَالَ: خَمْسُونَ دِرْهَمًا أَوْ قِيمَتُهَا مِنْ الذَّهَبِ} وَعَنْهُ صلى الله عليه وسلم: {إذَا سَأَلْت فَاسْأَلْ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْت فَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ} وَقَالَ عليه الصلاة والسلام: {لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ} . أَمَّا إنْ كَانَ مُحْتَاجًا إلَى الصَّدَقَةِ، وَمِمَّنْ يَسْتَحِقُّونَهَا لِفَقْرٍ أَوْ زَمَانَةٍ، أَوْ عَجْزٍ عَنْ الْكَسْبِ فَيَجُوزُ لَهُ السُّؤَالُ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ، وَبِشَرْطِ أَنْ لَا يُذِلَّ نَفْسَهُ، وَأَنْ لَا يُلِحَّ فِي السُّؤَالِ، أَوْ يُؤْذِيَ الْمَسْئُولَ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ بَاعِثَ الْمُعْطِي الْحَيَاءَ مِنْ السَّائِلِ أَوْ مِنْ الْحَاضِرِينَ، فَإِنْ كَانَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ لَهُ السُّؤَالُ وَأَخْذُ الصَّدَقَةِ وَإِنْ كَانَ مُحْتَاجًا إلَيْهَا، وَيَحْرُمُ أَخْذُهَا، وَيَجِبُ رَدُّهَا إلَّا إذَا كَانَ مُضْطَرًّا بِحَيْثُ يَخْشَى الْهَلَاكَ إنْ لَمْ يَاخُذْ الصَّدَقَةَ، لِحَدِيثِ: {لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ} . فَإِنْ خَافَ هَلَاكًا لَزِمَهُ السُّؤَالُ إنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ التَّكَسُّبِ. فَإِنْ تَرَكَ السُّؤَالَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ حَتَّى مَاتَ أَثِمَ لِأَنَّهُ أَلْقَى بِنَفْسِهِ إلَى التَّهْلُكَةِ، وَالسُّؤَالُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فِي مَقَامِ التَّكَسُّبِ؛ لِأَنَّهَا الْوَسِيلَةُ الْمُتَعَيِّنَةُ لِإِبْقَاءِ النَّفْسِ، وَلَا ذُلَّ فِيهَا لِلضَّرُورَةِ، وَالضَّرُورَةُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ. وَلَا بَاسَ بِسُؤَالِ الْمَاءِ لِلشُّرْبِ لِفِعْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَقَالَ أَحْمَدُ فِي الْعَطْشَانِ الَّذِي لَا يَسْتَسْقِي: يَكُونُ أَحْمَقَ، وَلَا بَاسَ بِمَسْأَلَةِ الِاسْتِعَارَةِ وَالِاسْتِقْرَاضِ نَصَّ عَلَيْهِمَا أَحْمَدُ قَالَ الْآجُرِّيُّ يَجِبُ أَنْ يَعْلَمَ حَلَّ الْمَسْأَلَةِ وَمَتَى تَحِلُّ، وَمَا قَالَهُ بِمَعْنَى قَوْلِ أَحْمَدَ فِي أَنَّ تَعَلُّمَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِدِينِهِ فَرْضٌ، وَلَا بَاسَ بِسُؤَالِ الشَّيْءِ الْيَسِيرِ، كَشَسْعِ النَّعْلِ أَيْ سَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى مَسْأَلَةِ شُرْبِ الْمَاءِ، وَإِنْ أُعْطِيَ مَالًا طَيِّبًا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ وَلَا اسْتِشْرَافِ نَفْسٍ مِمَّا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهُ مِنْ زَكَاةٍ أَوْ كَفَّارَةٍ أَوْ صَدَقَةِ تَطَوُّعٍ أَوْ هِبَةٍ وَجَبَ أَخْذُهُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَنَقَلَهُ جَمَاعَةٌ عَنْ أَحْمَدَ
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: لُحُوقُ الضَّرَرِ بِجَالِبِ الْمَصْلَحَةِ أَوْ دَافِعِ الْمَفْسَدَةِ عِنْدَ مَنْعِهِ مِنْ اسْتِعْمَالِ حَقِّهِ: 20 - هَذَا لَا يَخْلُو أَنْ يَلْزَمَ مِنْ مَنْعِهِ الْإِضْرَارُ بِهِ بِحَيْثُ لَا يَنْجَبِرُ أَوَّلًا، فَإِنْ لَزِمَ قُدِّمَ حَقُّهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ. وَمِنْ فُرُوعِ هَذَا النَّوْعِ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ قُدَامَةَ مِنْ أَنَّهُ إذَا اشْتَدَّتْ الْمَخْمَصَةُ فِي سَنَةِ الْمَجَاعَةِ وَأَصَابَتْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَكَانَ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ قَدْرُ كِفَايَتِهِ وَكِفَايَةِ عِيَالِهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ بَذْلُهُ لِلْمُضْطَرِّينَ، وَلَيْسَ لَهُمْ أَخْذُهُ مِنْهُ لِأَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى وُقُوعِ الضَّرَرِ بِهِ وَلَا يَدْفَعُهُ عَنْهُمْ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانُوا فِي سَفَرٍ وَمَعَهُ قَدْرُ كِفَايَتِهِ مِنْ غَيْرِ فَضْلَةٍ، لَمْ يَلْزَمْهُ بَذْلُ مَا مَعَهُ لِلْمُضْطَرِّينَ، لِأَنَّ الْبَذْلَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يُفْضِي إلَى هَلَاكِ نَفْسِهِ وَهَلَاكِ عِيَالِهِ فَلَمْ يَلْزَمْهُ، كَمَا لَوْ أَمْكَنَهُ إنْجَاءُ الْغَرِيقِ بِتَغْرِيقِ نَفْسِهِ، وَلِأَنَّ فِي بَذْلِهِ إلْقَاءً بِيَدِهِ إلَى التَّهْلُكَةِ، وَقَدْ نَهَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ. أَمَّا إذَا أَمْكَنَ انْجِبَارُ الْإِضْرَارِ وَرَفْعُهُ جُمْلَةً فَاعْتِبَارُ الضَّرَرِ الْعَامِّ أَوْلَى فَيُمْنَعُ الْجَالِبُ أَوْ الدَّافِعُ مِمَّا هَمَّ بِهِ، لِأَنَّ الْمَصَالِحَ الْعَامَّةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْمَصَالِحِ الْخَاصَّةِ بِدَلِيلِ النَّهْيِ عَنْ تَلَقِّي السِّلَعِ وَعَنْ بَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي، وَاتِّفَاقِ السَّلَفِ عَلَى تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ فِيهِمْ الْأَمَانَةُ، وَقَدْ زَادُوا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ غَيْرِهِ مِمَّا رَضِيَ أَهْلُهُ وَمَا لَا، وَذَلِكَ يَقْضِي بِتَقْدِيمِ مَصْلَحَةِ الْعُمُومِ عَلَى مَصْلَحَةِ الْخُصُوصِ لَكِنْ بِحَيْثُ لَا يَلْحَقُ الْخُصُوصَ مَضَرَّةٌ (لَا تَنْجَبِرُ) وَهُوَ مُفَادُ قَاعِدَةِ"يُتَحَمَّلُ الضَّرَرُ الْخَاصُّ لِدَفْعِ الضَّرَرِ الْعَامِّ".
عُدَّةٌ التَّعْرِيفُ
1 -الْعُدَّةُ - بِالضَّمِّ - فِي اللُّغَةِ: الِاسْتِعْدَادُ وَالتَّأَهُّبُ وَمَا أَعْدَدْته مِنْ مَالٍ أَوْ سِلَاحٍ. وَفِي الِاصْطِلَاحِ هِيَ: جَمِيعُ مَا يُتَقَوَّى بِهِ فِي الْحَرْبِ عَلَى الْعَدُوِّ. الْأَحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْعُدَّةِ: 2 - الْعُدَّةُ - أَيْ الِاسْتِعْدَادُ لِلْحَرْبِ - فَرِيضَةٌ تُلَازِمُ فَرِيضَةَ الْجِهَادِ، فَالْحَرْبُ بِلَا عُدَّةٍ إلْقَاءٌ لِلنَّفْسِ إلَى التَّهْلُكَةِ، وَالْعُدَّةُ لِلْحَرْبِ فِي سَبِيلِ إعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ بِأَنْوَاعِهَا فَرْضٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. قَالَ تَعَالَى: