فهرس الكتاب

الصفحة 239 من 396

فِي إرْهَابِ الْعَدُوِّ، وَإِدْخَالِ الْوَهْنِ عَلَيْهِمْ بِفِعْلِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا أَفْضَلُ وُجُوهِ النِّكَايَةِ، وَفِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَكُلُّ أَحَدٍ يَبْذُلُ نَفْسَهُ لِهَذَا النَّوْعِ مِنْ الْمَنْفَعَةِ. وَفِي الْمُغْرِبِ يُقَالُ نَكَأَتْ الْقُرْحَةُ قِشْرَتَهَا وَنَكَات فِي الْعَدُوِّ وَنَكَأَ إذَا قَتَلْت فِيهِمْ أَوْ جَرَحْت وَقَالَ اللَّيْث وَلُغَةٌ أُخْرَى نَكَيْت فِي الْعَدُوِّ نِكَايَةً وَعَنْ أَبِي عُمَرَ وَنَكَيْت فِي الْعَدُوِّ لَا غَيْرُ. وَعَنْ الْكِسَائِيّ كَذَلِكَ، وَلَمْ أَجِدْهُ مُعَدًّى بِنَفْسِهِ إلَّا فِي جَامِعِ الْغُورِيِّ قَالَ يَعْقُوبُ نَكَيْت الْعَدُوَّ إذَا قَتَلْت فِيهِمْ وَجَرَحْت قَالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ: إذَا أَنْتَ لَمْ تَنْفَعْ بِوُدِّكَ أَهْلَهُ وَلَمْ تَنْكَ بِالْبُوسَى عَدُوَّك فَابْعُدْ قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ هَذَا) أَيْ، وَكَثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي الْمُكْرَهِ عَلَى الْقَتْلِ ثُبُوتُهُ فِيمَنْ أُكْرِهَ عَلَى إتْلَافِهِ مَالَ غَيْرِهِ بِالْقَتْلِ رُخِّصَ لَهُ ذَلِكَ لِرُجْحَانِ حَقِّهِ فِي النَّفْسِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ يَفُوتُ فِي النَّفْسِ صُورَةً وَمَعْنًى، وَحَقُّ غَيْرِهِ لَا يَفُوتُ مَعْنًى لِانْجِبَارِهِ بِالضَّمَانِ فَإِذَا صَبَرَ حَتَّى قُتِلَ كَانَ شَهِيدًا؛ لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِلْحُرْمَةِ، وَهُوَ الْمِلْكُ وَحُكْمُهُ، وَهُوَ حُرْمَةُ التَّعَرُّضِ قَائِمَانِ فَإِنَّ حُرْمَةَ إتْلَافِ مَالِهِ لِمَكَانِ عِصْمَتِهِ وَاحْتِرَامِهِ وَذَلِكَ لَا يَخْتَلُّ بِالْإِكْرَاهِ فَكَانَ فِي الصَّبْرِ آخِذًا بِالْعَزِيمَةِ مُقِيمًا فَرْضَ الْجِهَادِ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ نَفْسَهُ صِيَانَةً لِحَقِّ ذَلِكَ الرَّجُلِ فِي مَالِهِ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ فَيَكُونُ مُثَابًا كَذَا ذَكَرَ الشَّيْخُ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ. وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ رحمه الله فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَإِنْ أَبَى أَنْ يَفْعَلَ حَتَّى قُتِلَ كَانَ مَاجُورًا إنْ شَاءَ اللَّهُ قَيَّدَهُ بِالِاسْتِثْنَاءِ وَلَمْ يَذْكُرْ الِاسْتِثْنَاءَ فِيمَا سِوَاهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ فِيهَا نَصًّا بِعَيْنِهِ، وَإِنَّمَا قَالَهُ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْإِكْرَاهِ عَلَى الْإِفْطَارِ، وَإِفْسَادِ الصَّلَاةِ، وَإِجْرَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ وَنَحْوِهَا، وَلَيْسَ هَذَا فِي مَعْنَى تِلْكَ الْمَسَائِلِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ مِنْ الْإِتْلَافِ هَاهُنَا لَا يَرْجِعُ إلَى إعْزَازِ الدِّينِ فَلِهَذَا قَيَّدَهُ بِهِ، وَكَذَلِكَ صَائِمٌ أُكْرِهَ عَلَى الْإِفْطَارِ أَوْ اُضْطُرَّ إلَيْهِ بِمَخْمَصَةٍ يُرَخِّصُهُ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ فِي نَفْسِهِ يَفُوتُ أَصْلًا وَحَقُّ اللَّهِ تَعَالَى يَفُوتُ إلَى بَدَلٍ، وَهُوَ الْقَضَاءُ فَلَهُ أَنْ يُقَدِّمَ حَقَّ نَفْسِهِ. وَإِنْ صَبَرَ، وَلَمْ يُفْطِرْ حَتَّى قُتِلَ، وَهُوَ صَحِيحٌ مُقِيمٌ كَانَ مَاجُورًا؛ لِأَنَّ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْوُجُوبِ لَمْ يَسْقُطْ فَكَانَ لَهُ بَذْلُ نَفْسِهِ لِإِقَامَةِ حَقِّ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَفِيهِ إظْهَارُ الصَّلَابَةِ فِي الدِّينِ، وَإِعْزَازِهِ. إلَّا أَنْ يَكُونَ مُسَافِرًا أَوْ مَرِيضًا فَلَمْ يُفْطِرْ حَتَّى قُتِلَ كَانَ آثِمًا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ لَهُمَا الْإِفْطَارَ بِقَوْلِهِ. {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} . فَعِنْدَ خَوْفِ الْهَلَاكِ رَمَضَانُ فِي حَقِّهِمَا كَشَعْبَانَ فِي حَقِّ غَيْرِهِمَا فَيَكُونُ آثِمًا بِالِامْتِنَاعِ حَتَّى يَمُوتَ بِمَنْزِلَةِ الْمُضْطَرِّ فِي فَصْلِ الْمَيْتَةِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ. وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْعِبَادَاتِ مِثْلُ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا وَالْحُقُوقِ الْمُحْتَرَمَةِ مِثْلُ مَا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى الدَّلَالَةِ عَلَى مَالِ نَفْسِهِ أَوْ مَالِ إنْسَانٍ رُخِّصَ لَهُ الدَّلَالَةُ، وَلَوْ لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى قُتِلَ لَمْ يَكُنْ آثِمًا؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ الدَّفْعَ عَنْ مَالِهِ أَوْ مَالِ غَيْرِهِ وَذَلِكَ عَزِيمَةٌ قَالَ عليه السلام {مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ} .

وفي تبيين الحقائق:

(كِتَابُ الْجِنَايَاتِ) ، وَهِيَ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ لِمَا يَجْنِيهِ الْمَرْءُ مِنْ شَرٍّ اكْتَسَبَهُ تَسْمِيَةً لِلْمَصْدَرِ مِنْ جَنَى عَلَيْهِ شَرًّا، وَهُوَ عَامٌّ إلَّا أَنَّهُ خُصَّ بِمَا يَحْرُمُ مِنْ الْفِعْلِ وَأَصْلُهُ مِنْ جَنْيِ الثَّمَرِ، وَهُوَ أَخْذُهُ مِنْ الشَّجَرِ، وَهِيَ فِي الشَّرْعِ اسْمٌ لِفِعْلٍ مُحَرَّمٍ سَوَاءٌ كَانَ فِي مَالٍ أَوْ نَفْسٍ لَكِنْ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ يُرَادُ بِإِطْلَاقِ اسْمِ الْجِنَايَةِ الْفِعْلُ فِي النَّفْسِ وَالْأَطْرَافِ، ثُمَّ الْقَتْلُ عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ عَمْدٍ وَشِبْهِ عَمْدٍ وَخَطَأٍ وَمَا أُجْرِيَ مَجْرَى الْخَطَأِ وَالْقَتْلِ بِسَبَبٍ، وَالْمُرَادُ بِهِ بَيَانُ قَتْلٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَحْكَامُ مِنْ الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ وَالْكَفَّارَةِ وَحِرْمَانِ الْإِرْثِ وَالْإِثْمِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا تَقْسِيمُ الشَّيْخِ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيُّ رحمه الله وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ رحمه الله فِي الْأَصْلِ أَنَّهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ عَمْدٍ وَشِبْهِ عَمْدٍ. وَخَطَأٍ قَالَ رحمه الله (مُوجَبُ الْقَتْلِ عَمْدًا، وَهُوَ مَا تَعَمَّدَ ضَرْبَهُ بِسِلَاحٍ وَنَحْوِهِ فِي تَفْرِيقِ الْأَجْزَاءِ كَالْمُحَدَّدِ مِنْ الْحَجَرِ وَالْخَشَبِ وَاللِّيطَةِ وَالنَّارِ الْإِثْمُ وَالْقَوَدُ عَيْنًا) أَيْ الْقَتْلُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت