فهرس الكتاب

الصفحة 157 من 396

91 -وَلَا يَتَنَافَى الْقَوْلُ بِالْوُجُوبِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ مَعَ قوله تعالى: {فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ} لِأَنَّ نَفْيَ الْإِثْمِ فِي الْأَكْلِ عَامٌّ يَشْمَلُ حَالَتَيْ الْجَوَازِ وَالْوُجُوبِ، فَإِذَا وُجِدَتْ قَرِينَةٌ عَلَى تَخْصِيصِهِ بِالْوُجُوبِ عُمِلَ بِهَا كَمَا فِي قوله تعالى: {إنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} فَنَفْيُ الْجُنَاحِ عَنْ التَّطَوُّفِ، أَيْ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، مَفْهُومٌ عَامٌّ قَدْ خُصِّصَ بِمَا دَلَّ عَلَى وُجُوبِهِ أَوْ فَرْضِيَّتِهِ.

حَدُّ الضَّرُورَةِ الْمُبِيحَةِ:

92 -قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْجَصَّاصُ: مَعْنَى الضَّرُورَةِ فِي الْآيَاتِ خَوْفُ الضَّرَرِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ بَعْضِ أَعْضَائِهِ بِتَرْكِهِ الْأَكْلَ. وَقَدْ انْطَوَى تَحْتَهُ مَعْنَيَانِ: (أَحَدُهُمَا) أَنْ يَحْصُلَ فِي وَضْعٍ لَا يَجِدُ غَيْرَ الْمَيْتَةِ. (وَالثَّانِي) أَنْ يَكُونَ غَيْرُهَا مَوْجُودًا، وَلَكِنَّهُ أُكْرِهَ عَلَى أَكْلِهَا بِوَعِيدٍ يُخَافُ مِنْهُ تَلَفُ نَفْسِهِ أَوْ تَلَفُ بَعْضِ أَعْضَائِهِ. وَكِلَا الْمَعْنَيَيْنِ مُرَادٌ بِالْآيَةِ عِنْدَنَا لِاحْتِمَالِهِمَا.

وَحَالَةُ الْإِكْرَاهِ يُؤَيِّدُ دُخُولَهَا فِي مَعْنَى الِاضْطِرَارِ قَوْلُ الرَّسُولِ عليه الصلاة والسلام: {إنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ} . وَيُؤْخَذُ مِنْ"الدُّرِّ الْمُخْتَارِ"أَنَّ الضَّرُورَةَ تَشْمَلُ خَوْفَ الْهَلَاكِ، وَخَوْفَ الْعَجْزِ عَنْ الصَّلَاةِ قَائِمًا أَوْ عَنْ الصِّيَامِ. وَفَسَّرَ"الشَّرْحُ الصَّغِيرُ"لِلْمَالِكِيَّةِ الضَّرُورَةَ بِخَوْفِ الْهَلَاكِ أَوْ شِدَّةِ الضَّرَرِ. وَفَسَّرَهَا الرَّمْلِيُّ الشَّافِعِيُّ فِي"نِهَايَةِ الْمُحْتَاجِ"بِخَوْفِ الْمَوْتِ أَوْ الْمَرَضِ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ كُلِّ مَحْذُورٍ يُبِيحُ التَّيَمُّمَ، وَكَذَا خَوْفُ الْعَجْزِ عَنْ الْمَشْيِ، أَوْ التَّخَلُّفِ عَنْ الرُّفْقَةِ إنْ حَصَلَ لَهُ بِهِ ضَرَرٌ، وَكَذَا إجْهَادُ الْجُوعِ إيَّاهُ بِحَيْثُ لَا يَسْتَطِيعُ مَعَهُ الصَّبْرُ. وَالْمَحْذُورُ الَّذِي يُبِيحُ التَّيَمُّمَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ هُوَ حُدُوثُ مَرَضٍ أَوْ زِيَادَتُهُ أَوْ اسْتِحْكَامُهُ، أَوْ زِيَادَةُ مُدَّتِهِ، أَوْ حُصُولُ شَيْنٍ فَاحِشٍ فِي عُضْوٍ ظَاهِرٍ، بِخِلَافِ الشَّيْنِ الْفَاحِشِ فِي عُضْوٍ بَاطِنٍ. وَالظَّاهِرُ: مَا يَبْدُو عِنْدَ الْمَهْنَةِ كَالْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ، وَالْبَاطِنُ: بِخِلَافِهِ. وَيُعْتَمَدُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ الطَّبِيبِ الْعَدْلِ فِي الرِّوَايَةِ. وَإِذَا كَانَ الْمُضْطَرُّ عَارِفًا فِي الطِّبِّ عَمِلَ بِمُقْتَضَى مَعْرِفَتِهِ، وَلَا يُعْمَلُ بِتَجْرِبَتِهِ إنْ كَانَ مُجَرِّبًا، عَلَى مَا قَالَهُ الرَّمْلِيُّ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: يُعْمَلُ بِهَا، وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ فَقْدِ الطَّبِيبِ. وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: إنَّ الضَّرُورَةَ أَنْ يَخَافَ التَّلَفَ فَقَطْ لَا مَا دُونَهُ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: إنَّهَا تَشْمَلُ خَوْفَ التَّلَفِ أَوْ الضَّرَرَ، وَقِيلَ: أَنْ يَخَافَ تَلَفًا أَوْ ضَرَرًا أَوْ مَرَضًا أَوْ انْقِطَاعًا عَنْ الرُّفْقَةِ يُخْشَى مَعَهُ الْهَلَاكُ.

الْإِعْذَارُ عِنْدَ الْأَخْذِ لِلِاضْطِرَارِ:

25 -أَجْمَعَ فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ عَلَى أَنَّ الْأَكْلَ لِلْغِذَاءِ وَالشُّرْبِ لِلْعَطَشِ - وَلَوْ مِنْ حَرَامٍ، أَوْ مَيْتَةٍ أَوْ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ - فَرْضٌ يُثَابُ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: {إنَّ اللَّهَ لَيُؤْجِرُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى اللُّقْمَةُ يَرْفَعُهَا الْعَبْدُ إلَى فِيهِ} فَإِنْ تَرَكَ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ حَتَّى هَلَكَ فَقَدْ عَصَى، لِأَنَّ فِيهِ إلْقَاءَ النَّفْسِ إلَى التَّهْلُكَةِ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} وَالْقَدْرُ الْوَاجِبُ هُوَ مَا يَدْفَعُ بِهِ الْإِنْسَانُ الْهَلَاكَ عَنْ نَفْسِهِ، وَالْمُبَاحُ إلَى الشِّبَعِ، وَمَا فَوْقَ ذَلِكَ فَحَرَامٌ. وَأَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ خَافَ الْمَوْتَ جُوعًا، وَمَعَ غَيْرِهِ طَعَامٌ زَائِدٌ عَنْ حَاجَتِهِ، أَخَذَ مِنْهُ قَدْرَ مَا يَسُدُّ جَوْعَتَهُ، وَكَذَا يَاخُذُ مِنْهُ قَدْرَ مَا يَدْفَعُ الْعَطَشَ، فَإِنْ مَنَعَهُ أَخَذَهُ رَغْمًا عَنْهُ، فَإِنْ قَاتَلَهُ صَاحِبُ الطَّعَامِ فَلَهُ مُقَاتَلَتُهُ. لَكِنْ عَلَى الْمُضْطَرِّ أَنْ يُعْذِرَ إلَى صَاحِبِ الطَّعَامِ، فَيَقُولُ لَهُ: إنْ لَمْ تُعْطِنِي قَاتَلْتُك عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ وَقَتَلَهُ، فَدَمُ صَاحِبِ الطَّعَامِ هَدَرٌ فِي صَرِيحِ مَذَاهِبِ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَلَمْ يُصَرِّحْ الْحَنَفِيَّةُ بِحُكْمِ ذَلِكَ، وَلَكِنْ مُقْتَضَى قَوْلِهِمْ: أَنَّهُ يُبَاحُ لِلْمُضْطَرِّ قِتَالُ صَاحِبِ الطَّعَامِ أَنَّهُ إنْ قَتَلَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.

مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى قَاعِدَةِ تَحَرِّي الْحَلَالِ فِي الْأَكْلِ:

أ - (حُكْمُ الْمُضْطَرِّ) : 26 - مَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ هَلَاكُ نَفْسِهِ، وَلَمْ يَجِدْ إلَّا مَيْتَةً أَوْ نَحْوَهَا مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ أَوْ مَالَ الْغَيْرِ، لَزِمَهُ الْأَكْلُ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت