أَهْلَهَا. وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَقَشِّفَةِ: السُّؤَالُ مُبَاحٌ لَهُ بِطَرِيقِ الرُّخْصَةِ، فَإِنْ تَرَكَهُ حَتَّى مَاتَ لَمْ يَكُنْ آثِمًا؛ لِأَنَّهُ مُتَمَسِّكٌ بِالْعَزِيمَةِ. وَمَنْ اشْتَدَّ جُوعُهُ حَتَّى عَجَزَ عَنْ طَلَبِ الْقُوتِ، فَفَرْضٌ عَلَى كُلِّ مَنْ عَلِمَ بِهِ أَنْ يُطْعِمَهُ، أَوْ يَدُلَّ عَلَيْهِ مَنْ يُطْعِمُهُ؛ صَوْنًا لَهُ عَنْ الْهَلَاكِ، فَإِنْ امْتَنَعُوا عَنْ ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ اشْتَرَكُوا فِي الْإِثْمِ، قَالَ عليه الصلاة والسلام: {مَا آمَنَ بِي مَنْ بَاتَ شَبْعَانَ وَجَارُهُ جَائِعٌ إلَى جَنْبِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ بِهِ} وَإِنْ أَطْعَمَهُ وَاحِدٌ سَقَطَ الْإِثْمُ عَنْ الْبَاقِينَ.
10 -أجمع الفقهاء على حرمة أكل الميتة في حالة السّعة والاختيار لقوله تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} .
وقد عبّر الإمام الرّازيّ عن حكمة تحريم أكل الميتة الّتي نفقت حتف أنفها بقوله: واعلم أنّ تحريم الميتة موافق لما في العقول، لأنّ الدّم جوهر لطيف جدًا، فإذا مات الحيوان حتف أنفه احتبس الدّم في عروقه وتعفَّن وفسد، وحصل من أكله مضار عظيمة.
وأمّا حكمة تحريم أكل الميتة الّتي قتلت على هيئة غير مشروعة"أي بدون تذكية"فقد أوضحها الإمام ابن القيّم بقوله: فلأنّ اللّه سبحانه حرَّم علينا الخبائث، والخبثُ الموجب للتّحريم قد يظهر لنا وقد يخفى، فما كان ظاهرًا لم ينصب عليه الشّارع علامةً غير وصفه، وما كان خفيًّا نصب عليه علامةً تدلُّ على خبثه.
فاحتقان الدّم في الميتة سبب ظاهر، وأمّا ذبيحة المجوسيّ والمرتدّ وتارك التّسمية ومن أهلّ بذبيحته لغير اللّه، فنفس ذبيحة هؤلاء أكسبت المذبوح خبثًا أوجب تحريمه، ولا ينكر أن يكون ذكر اسم الأوثان والكواكب والجنّ على الذّبيحة يُكسبها خبثًا، وذِكْرُ اسم اللّه وحده يُكسبها طيبًا إلّا من قلّ نصيبه من حقائق العلم والإيمان وذوق الشّريعة.
11 -وأمّا في حالة الإلجاء والاضطرار، فقد ذهب الفقهاء إلى جواز أكل الميتة عندئذٍ، فمن أضطرّ إلى أكل الميتة إمّا بإكراه ملجئٍ من ظالم أو بجوع في مخمصة أو بفقر لا يجد معه غير الميتة، حلّ له ذلك لداعي الضّرورة، حيث جاء في التّنزيل بعد تحريم الميتة قوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} ، وقال سبحانه: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} .
قال الزّيلعي: فظهر أنّ التّحريم مخصوص بحالة الاختيار، وفي حالة الاضطرار مباح، لأنّ الضّرورات تبيح المحظورات.
12 -واختلف الفقهاء في حدّ الضّرورة المبيحة لأكل الميتة على أقوال:
أحدها: أن يخاف على نفسه الهلاك قطعًا أو ظنًا، وهو قول المالكيّة في المشهور.
الثّاني: أن يخاف على نفسه موتًا أو مرضًا مخوفًا أو زيادته أو طول مدّته، أو انقطاعه عن رفقته، أو خوف ضعف عن مشي أو ركوب، فيسمّى هذا الخائف مضطرًا. وهو مذهب الشّافعيّة والحنابلة.
الثّالث: خوف التّلف على نفسه أو بعض أعضائه بتركه الأكل، ويحصل ذلك في موضع لا يجد فيه غير الميتة، أو أن يكون غيرها موجودًا، ولكنّه أكره على أكلها بوعيد يخاف منه تلف نفسه أو بعض أعضائه، وهو مذهب الحنفيّة.
هذا في ميتة غير الآدميّ، وأمّا ميتة الآدميّ فقد اختلف الفقهاء فيها، وينظر تفصيل ذلك في مصطلح (ضرورة ف / 10) .