فهرس الكتاب

الصفحة 159 من 396

، لَكِنَّهُ إذَا قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ جَازَ بِشَرْطِ أَنْ يَنْكِيَ فِيهِمْ. أَمَّا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَنْكِي فِيهِمْ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِحَمَلَتِهِ شَيْءٌ مِنْ إعْزَازِ الدِّينِ كَمَا نُقِلَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ حَمَلَ رَجُلٌ وَاحِدٌ عَلَى أَلْفِ رَجُلٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، وَهُوَ وَحْدَهُ، لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَاسٌ، إذَا كَانَ يَطْمَعُ فِي نَجَاةٍ أَوْ نِكَايَةٍ فِي الْعَدُوِّ.

الإنتفاع:(حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ):

5 -الِانْتِفَاعُ إمَّا أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا أَوْ حَرَامًا أَوْ جَائِزًا، وَذَلِكَ بِاعْتِبَارِ مُتَعَلَّقِهِ وَهُوَ الْعَيْنُ الْمُنْتَفَعُ بِهَا، وَنَظَرًا لِلشُّرُوطِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْعَيْنِ وَبِالشَّخْصِ الْمُنْتَفِعِ بِهَا، وَفِيمَا يَلِي أَمْثِلَةٌ لِلِانْتِفَاعِ الْوَاجِبِ وَالْحَرَامِ وَالْجَائِزِ بِاخْتِصَارٍ.

أ - (الِانْتِفَاعُ الْوَاجِبُ) :

6 -لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الِانْتِفَاعَ يَكُونُ وَاجِبًا بِأَكْلِ الْمُبَاحِ، إذَا خَافَ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ الْهَلَاكَ، لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ مِنْهُ إلْقَاءٌ بِالنَّفْسِ إلَى التَّهْلُكَةِ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} حَتَّى إنَّ الْجُمْهُورَ أَوْجَبُوا الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ فِي حَالَةِ الِاضْطِرَارِ، وَلَوْ كَانَتْ الْعَيْنُ الْمُنْتَفَعُ بِهَا مُحَرَّمَةً.

ثَانِيًا: الِاضْطِرَارُ 13 -"الِاضْطِرَارُ هُوَ الْخَوْفُ عَلَى النَّفْسِ مِنْ الْهَلَاكِ عِلْمًا أَوْ ظَنًّا"أَوْ"بُلُوغُ الْإِنْسَانِ حَدًّا إنْ لَمْ يَتَنَاوَلْ الْمَمْنُوعَ يَهْلِكُ"وَهُوَ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ حِلِّ الِانْتِفَاعِ بِالْمُحَرَّمِ لِإِنْقَاذِ النَّفْسِ مِنْ الْهَلَاكِ. وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ نَوْعٌ مِنْ الْإِبَاحَةِ الشَّرْعِيَّةِ لِلنُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِي حَالِ الضَّرُورَةِ. وَيُشْتَرَطُ لِحِلِّ الِانْتِفَاعِ بِهِ أَنْ يَكُونَ الِاضْطِرَارُ مُلْجِئًا، بِحَيْثُ يَجِدُ الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ فِي حَالَةٍ يَخْشَى فِيهَا الْمَوْتَ، وَأَنْ يَكُونَ الْخَوْفُ قَائِمًا فِي الْحَالِ لَا مُنْتَظِرًا، وَأَلَّا يَكُونَ لِدَفْعِهِ وَسِيلَةٌ أُخْرَى. فَلَيْسَ لِلْجَائِعِ أَنْ يَنْتَفِعَ مِنْ الْمَيْتَةِ قَبْلَ أَنْ يَجُوعَ جُوعًا يَخْشَى مِنْهُ الْهَلَاكَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَنَاوَلَ مِنْ مَالِ الْغَيْرِ إذَا اسْتَطَاعَ شِرَاءَ الطَّعَامِ أَوْ دَفْعَ الْجُوعِ بِفِعْلٍ مُبَاحٍ. وَكَذَلِكَ يُشْتَرَطُ لِلِانْتِفَاعِ بِالْحَرَامِ حَالَ الِاضْطِرَارِ أَلَّا يَتَجَاوَزَ الْقَدْرَ اللَّازِمَ لِدَفْعِهِ. وَالْأَصْلُ فِي حِلِّ الِانْتِفَاعِ مِنْ الْمُحَرَّمِ حَالَ الِاضْطِرَارِ قوله تعالى: {فَمَنْ اُضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ} وقوله تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إلَّا مَا اُضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ} .

وَالْبَحْثُ فِي الِانْتِفَاعِ بِالْمُحَرَّمِ حَالَ الِاضْطِرَارِ يَتَنَاوَلُ الْمَوْضُوعَاتِ الْآتِيَةَ:

أ - الِانْتِفَاعُ مِنْ الْأَطْعِمَةِ الْمُحَرَّمَةِ: 14 - إذَا خَافَ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ الْهَلَاكَ، وَلَمْ يَجِدْ مِنْ الْحَلَالِ مَا يَتَغَذَّى بِهِ، جَازَ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِالْمُحَرَّمِ لِكَيْ يُنْقِذَ حَيَاتَهُ مِنْ الْهَلَاكِ، مَيْتَةً كَانَ أَوْ دَمًا أَوْ مَالَ الْغَيْرِ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ. وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ. لَكِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي صِفَةِ الِانْتِفَاعِ مِنْ الْمُحَرَّمِ حَالَ الِاضْطِرَارِ، هَلْ هُوَ وَاجِبٌ يُثَابُ عَلَيْهِ فَاعِلُهُ وَيُعَاقَبُ تَارِكُهُ، أَمْ هُوَ جَائِزٌ لَا ثَوَابَ وَلَا عِقَابَ فِي فِعْلِهِ أَوْ تَرْكِهِ.؟ فَالْجُمْهُورُ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَوَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ) عَلَى الْوُجُوبِ، لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ مِنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ حَالَ الِاضْطِرَارِ إلْقَاءٌ بِالنَّفْسِ إلَى التَّهْلُكَةِ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} . فَالْأَكْلُ لِلْغِذَاءِ وَلَوْ مِنْ حَرَامٍ أَوْ مَيْتَةٍ أَوْ مَالِ غَيْرِهِ حَالَ الِاضْطِرَارِ وَاجِبٌ يُثَابُ عَلَيْهِ إذَا أَكَلَ مِقْدَارَ مَا يَدْفَعُ بِهِ الْهَلَاكَ عَنْ نَفْسِهِ"وَمَنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ مَوْتًا أَوْ مَرَضًا مَخُوفًا وَوَجَدَ مُحَرَّمًا لَزِمَهُ أَكْلُهُ". وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِلِ الْأَصَحِّ، وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ: إنَّ الِانْتِفَاعَ مِنْ الْأَطْعِمَةِ الْمُحَرَّمَةِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، بَلْ هُوَ مُبَاحٌ فَقَطْ، لِأَنَّ إبَاحَةَ الْأَكْلِ فِي حَالَةِ الِاضْطِرَارِ رُخْصَةٌ، فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ كَسَائِرِ الرُّخَصِ.

15 -وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ صَاحِبُ الْمَالِ مُضْطَرًّا إلَيْهِ لَزِمَهُ بَذْلُهُ لِلْمُضْطَرِّ، لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ إحْيَاءُ نَفْسِ آدَمِيٍّ مَعْصُومٍ فَلَزِمَهُ بَذْلُهُ لَهُ. فَإِنْ امْتَنَعَ وَاحْتِيجَ إلَى الْقِتَالِ، فَلِلْمُضْطَرِّ الْمُقَاتَلَةُ. فَإِنْ قُتِلَ الْمُضْطَرُّ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَعَلَى قَاتِلِهِ ضَمَانُهُ. وَإِنْ قَتَلَ صَاحِبَهُ فَهُوَ هَدَرٌ، لِأَنَّهُ ظَالِمٌ بِقِتَالِهِ، إلَّا أَنَّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت