الشَّرْعِيَّةِ، وَهِيَ مُتَحَقِّقَةٌ بِأَصْحَابِ الْوِلَايَاتِ مِنْ الْأَئِمَّةِ، وَالْوُلَاةِ، وَالْقُضَاةِ، وَسَائِرِ الْحُكَّامِ، فَإِنَّهُمْ مُتَمَكِّنُونَ بِعُلُوِّ الْيَدِ وَامْتِثَالِ الْأَمْرِ، وَوُجُوبِ الطَّاعَةِ، وَانْبِسَاطِ الْوِلَايَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {الَّذِينَ إنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ} . فَإِنَّ مِنْ أَنْوَاعِ الْقِيَامِ بِذَلِكَ مَا يَدْعُو إلَى إقَامَةِ الْحُدُودِ وَالْعُقُوبَاتِ مِمَّا لَا يَفْعَلُهُ إلَّا الْوُلَاةُ وَالْحَاكِمُ فَلَا عُذْرَ لِمَنْ قَصَّرَ مِنْهُمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّهُ إذَا أَهْمَلَ هَؤُلَاءِ الْقِيَامَ بِذَلِكَ فَجَدِيرٌ أَلَا يَقْدِرَ عَلَيْهِ مَنْ هُوَ دُونَهُمْ مِنْ رَعِيَّتِهِمْ، فَيُوشِكُ أَنْ تَضِيعَ حُرُمَاتُ الدِّينِ وَيُسْتَبَاحَ حِمَى الشَّرْعِ وَالْمُسْلِمِينَ. وَلَمَّا كَانَتْ وِلَايَةُ الْحِسْبَةِ مِنْ الْوِلَايَاتِ الشَّرْعِيَّةِ وَهِيَ مِنْ وَظَائِفِ الْإِمَامِ وَتَفْوِيضِهِ إلَى غَيْرِهِ مِنْ قَبِيلِ الِاسْتِنَابَةِ، وَيَقُومُ بِهَا نِيَابَةً عَنْهُ وَطَبِيعَتُهَا تَقُومُ عَلَى الرَّهْبَةِ، وَاسْتِطَالَةِ الْحُمَاةِ، وَسَلَاطَةِ السَّلْطَنَةِ، وَاِتِّخَاذِ الْأَعْوَانِ، كَانَ الْقِيَامُ بِالْحِسْبَةِ فِي حَقِّهِ مِنْ فَرَائِضِ الْأَعْيَانِ الَّتِي لَا تَسْقُطُ عَنْهُ بِحَالٍ، بِخِلَافِ الْآحَادِ فَإِنَّهُ لَا تَلْزَمُهُمْ الْحِسْبَةُ إلَّا مَعَ الْقُدْرَةِ وَالسَّلَامَةِ، فَمَنْ عَلِمَ أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يَصِلُهُ مَكْرُوهٌ فِي بَدَنِهِ بِالضَّرْبِ، أَوْ فِي مَالِهِ بِالِاسْتِهْلَاكِ، أَوْ فِي جَاهِهِ بِالِاسْتِخْفَافِ بِهِ بِوَجْهٍ يَقْدَحُ فِي مُرُوءَتِهِ أَوْ عَلِمَ أَنَّ حِسْبَتَهُ لَا تُفِيدُ سَقَطَ عَنْهُ الْوُجُوبُ، أَمَّا إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَا يُصَابُ بِأَذًى فِيمَا ذُكِرَ فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْوُجُوبُ وَكَذَلِكَ إذَا اُحْتُمِلَ الْأَمْرَانِ. وَإِذَا سَقَطَ الْوُجُوبُ هَلْ يَحْسُنُ الْإِنْكَارُ وَيَكُونُ أَفْضَلَ مِنْ تَرْكِهِ، أَمْ إنَّ التَّرْكَ أَفْضَلُ؟ مِنْ الْفُقَهَاءِ مَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ لقوله تعالى: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَك} وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ التَّرْكُ أَفْضَلُ لقوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} لَكِنْ ذَهَبَ ابْنُ رُشْدٍ إلَى وُجُوبِ التَّرْكِ مَعَ تَيَقُّنِ الْأَذَى لَا سُقُوطِ الْوُجُوبِ وَبَقَاءِ الِاسْتِحْبَابِ فَتِلْكَ طَرِيقَةُ عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَعَيْنُ مَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ.
ثَالِثًا: الْحِفَاظُ عَلَى الْحَيَاةِ: 8 - يَكُونُ الْحِفَاظُ عَلَى الْحَيَاةِ بِفِعْلِ مَا يُمْسِكُهَا وَالْكَفِّ عَمَّا يُهْلِكُهَا أَوْ يَضُرُّهَا، وَالْمُكَلَّفُ مَامُورٌ بِإِحْيَاءِ نَفْسِهِ وَعَدَمِ إلْقَائِهَا إلَى التَّهْلُكَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} ، وَقَرَّرَ الْفُقَهَاءُ أَنَّ حِفْظَ النُّفُوسِ آكَدُ الضَّرُورِيَّاتِ الَّتِي تَجِبُ مُرَاعَاتُهَا بَعْدَ حِفْظِ الدِّينِ. وَقَالَ الشَّاطِبِيُّ: تَكَالِيفُ الشَّرِيعَةِ تَرْجِعُ إلَى حِفْظِ مَقَاصِدِهَا فِي الْخَلْقِ، وَهَذِهِ الْمَقَاصِدُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: ضَرُورِيَّةٌ، وَحَاجِيَّةٌ وَتَحْسِينِيَّةٌ، وَالضَّرُورِيَّةُ: هِيَ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا فِي قِيَامِ مَصَالِحِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا. وَالْحِفْظُ لَهَا يَكُونُ بِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا مَا يُقِيمُ أَرْكَانَهَا وَيُثْبِتُ قَوَاعِدَهَا وَذَلِكَ مُرَاعَاتُهَا مِنْ جَانِبِ الْوُجُودِ، وَالثَّانِي مَا يَدْرَأُ عَنْهَا الِاخْتِلَالَ الْوَاقِعَ أَوْ الْمُتَوَقَّعَ فِيهَا وَذَلِكَ مُرَاعَاتُهَا مِنْ جَانِبِ الْعَدَمِ. وَحِفْظُ النَّفْسِ وَالْعَقْلِ مِنْ جَانِبِ الْوُجُودِ كَتَنَاوُلِ الْمَاكُولَاتِ وَالْمَشْرُوبَاتِ وَالْمَلْبُوسَاتِ وَالْمَسْكُونَاتِ مِمَّا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ بَقَاءُ الْحَيَاةِ، وَمَجْمُوعُ الضَّرُورِيَّاتِ خَمْسَةٌ: حِفْظُ الدِّينِ، وَالنَّفْسِ وَالْعَقْلِ، وَالنَّسْلِ، وَالْمَالِ. وَيَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ فِعْلُ مَا يُمْسِكُ حَيَاتَهُ مِنْ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَلِبَاسٍ وَسَكَنٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَمِمَّا وَرَدَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا.} قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَحَلَّ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ مَا لَمْ يَكُنْ سَرَفًا أَوْ مَخِيلَةً، فَأَمَّا مَا تَدْعُوَا إلَيْهِ الْحَاجَةُ هُوَ مَا سَدَّ الْجَوْعَةَ وَسَكَّنَ الظَّمَأَ فَمَنْدُوبُ إلَيْهِ عَقْلًا وَشَرْعًا، لِمَا فِيهِ مِنْ حِفْظِ النَّفْسِ وَحِرَاسَةِ الْحَوَاسِّ، وَلِذَلِكَ وَرَدَ الشَّرْعُ بِالنَّهْيِ عَنْ الْوِصَالِ، لِأَنَّهُ يُضْعِفُ الْجَسَدَ وَيُمِيتُ النَّفْسَ وَيُضْعِفُ عَنْ الْعِبَادَةِ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ مِنْهُ الشَّرْعُ وَيَدْفَعُهُ الْعَقْلُ. وَالْمُضْطَرُّ فِي الْمَخْمَصَةِ الَّذِي لَا يَجِدُ إلَّا مُحَرَّمًا كَالْمَيْتَةِ، أَوْ مَالِ الْغَيْرِ، وَيَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ الْهَلَاكُ إنْ لَمْ يَاكُلْ مِنْ هَذَا الْمُحَرَّمِ، يَلْزَمُهُ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ الْهَلَاكَ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {فَمَنْ اُضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ} وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} عَلَى تَفْصِيلٍ فِي ذَلِكَ يُرْجَعُ إلَيْهِ فِي (مَخْمَصَةٌ) (