يُمْنَعُ بَلْ يُنْدَبُ، عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ الْإِقْدَامُ عَلَى الضَّرَرِ الْمَوْهُومِ لِتَخَلُّصِ الضَّرَرِ الْمَقْطُوعِ عَنْ الْمَطْعُونِينَ. (فَائِدَةٌ) فِي الْأَشْبَاهِ أَنَّ الطَّاعُونَ مِنْ النَّوَازِلِ الشَّدِيدَةِ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّ الْقُنُوتَ فِي كُلِّ الصَّلَوَاتِ مَشْرُوعٌ عِنْدَ النَّوَازِلِ، وَفِي الطَّحَاوِيِّ وَلَا يَقْنُتُ فِي الْفَجْرِ عِنْدَنَا مِنْ غَيْرِ بَلِيَّةٍ إلَى آخِرِهِ وَأَيْضًا الطَّاعُونُ مِنْ عُمُومِ الْمَرَضِ، وَفِيهِ يُصَلُّوا وُحْدَانًا كَمَا فِي مُنْيَةِ الْمُفْتِي فَتُسَنُّ لَهُ رَكْعَتَانِ فُرَادَى كَالْخُسُوفِ وَيَتَضَرَّعُ كُلُّ وَاحِدٍ لِنَفْسِهِ كَمَا فِي الزَّيْلَعِيِّ كَمَا فِي الرِّيحِ الشَّدِيدِ وَالزَّلَازِلِ وَالصَّوَاعِقِ وَالثُّلُوجِ وَالْأَمْطَارِ الدَّائِمَةِ وَالْخَوْفِ الْغَالِبِ مِنْ الْعَدُوِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَيَجْتَمِعُونَ كَالْخُسُوفِ وَيُصَلُّونَ وَيَدْعُونَ، ثُمَّ قَالَ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْعَبْدَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفْزَعَ إلَى الصَّلَاةِ عِنْدَ كُلِّ حَادِثَةٍ انْتَهَى إجْمَالًا. أَقُولُ: لَا يَخْفَى إنْ كَانَ ذَلِكَ بِدُعَاءِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ شَهَادَةً وَرَحْمَةً وَمَغْفِرَةً لِمَنْ مَاتَ مِنْهُ فَكَيْفَ يَجُوزُ الدُّعَاءُ بِرَفْعِهِ؟ وَكَيْفَ يَصِحُّ الْقِيَاسُ فِي مَعْرِضِ النَّصِّ؟ وَكَيْفَ يَدْخُلُ فِي تِلْكَ الْعُمُومَاتِ؟ وَلَوْ سَلِمَ شُمُولُهَا فَيَجِبُ تَخْصِيصُ ذَلِكَ مِنْ تِلْكَ الْعُمُومَاتِ، وَقَدْ نُقِلَ عَنْ السُّيُوطِيّ أَنَّ الدُّعَاءَ بِرَفْعِهِ بِدْعَةٌ حَتَّى قِيلَ لِمُعَاذٍ اُدْعُ اللَّهَ يَرْفَعْ عَنَّا هَذَا الرِّجْزَ فَقَالَ لَيْسَ بِرِجْزٍ وَلَكِنْ دَعْوَةُ نَبِيِّكُمْ وَمَوْتُ الصَّالِحِينَ وَشَهَادَةٌ يَخْتَصُّ اللَّهُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْكُمْ اللَّهُمَّ آتِ آلَ مُعَاذٍ نَصِيبَهُمْ الْأَوْفَرَ مِنْ هَذِهِ الرَّحْمَةِ. قِيلَ وَمَا وَقَعَ عَنْ الرَّافِعِيِّ وَالنَّوَوِيِّ مِنْ مَشْرُوعِيَّةِ الْقُنُوتِ لِلْوَبَاءِ فَعَامٌّ مَخْصُوصٌ؛ لِأَنَّ الْوَبَاءَ أَعَمُّ مِنْ الطَّاعُونِ لِعَدَمِ ثُبُوتِهِ هُنَا أَقُولُ لَعَلَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ ذَلِكَ مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَغْرَاضِ فَلَا يَجُوزُ الدُّعَاءُ بِرَفْعِهِ لِلْخَوَاصِّ كَالْمُتَوَكِّلِينَ الْكَامِلِينَ وَيَجُوزُ لِلْعَوَامِّ كَمَا رُوِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَحْسَنُ مَا يُدَاوَى بِهِ الطَّاعُونُ التَّسْبِيحُ، وَعَنْ بَعْضِ الصَّالِحِينَ كَثْرَةُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَجُوزُ أَنْ يَدْعُوَ بِرَفْعِهِ لَا مُطْلَقًا بَلْ مِنْ هَذَا الْعَاجِلِ مَثَلًا إذْ قَدْ سَمِعْت أَنَّ طُولَ عُمْرِ الْمُؤْمِنِ لَا يُعَادِلُهُ عَمَلٌ كَيْفَ، وَقَدْ سَمِعْت دُعَاءَهُ صلى الله تعالى عليه وسلم {اللَّهُمَّ اجْعَلْ فَنَاءَ أُمَّتِي قَتْلًا فِي سَبِيلِك بِالطَّعْنِ أَيْ بِجِهَادِ الْكُفَّارِ وَالطَّاعُونِ الْجِنِّ} فَكَمَا يَجُوزُ الدُّعَاءُ لِلْجِهَادِ فَلْيَجُزْ لِلْجِنِّ وَإِنَّ الدُّعَاءَ لِرَفْعِ مَا يُوجِبُ الشَّهَادَةَ كَالْبَطْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَالشِّفَاءِ لِلنُّفَسَاءِ جَائِزٌ اتِّفَاقًا فَلْيَجُزْ لِلطَّاعُونِ وَأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ أَحَدٌ الدَّوَاءَ وَالْمُعَالَجَةَ فِي الطَّاعُونِ فَإِذَا جَازَ ذَلِكَ فَلْيَجُزْ ذَاكَ فَلْيُتَأَمَّلْ بِدِقَّةٍ وَلْيُتَّبَعْ بِجَهْدٍ فَإِنَّ الْمَقَامَ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ الْآنَ.
(وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ رضي الله عنه قَالَ إنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِينَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ يَعْنِي {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} قَالَهُ رَدًّا عَلَى مَنْ أَنْكَرَ عَلَى مَنْ حَمَلَ عَلَى صَفِّ الرُّومِ حَتَّى دَخَلَ فِيهِمْ. رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ) وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ (وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ) أَخْرَجَهُ الْمَذْكُورُونَ مِنْ حَدِيثِ أَسْلَمَ بْنِ يَزِيدَ أَبِي عِمْرَانَ قَالَ"كُنَّا بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ فَخَرَجَ صَفٌّ عَظِيمٌ مِنْ الرُّومِ فَحَمَلَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى صَفِّ الرُّومِ حَتَّى حَصَلَ فِيهِمْ ثُمَّ رَجَعَ مُقْبِلًا فَصَاحَ النَّاسُ، سُبْحَانَ اللَّهِ أَلْقَى بِيَدِهِ إلَى التَّهْلُكَةِ، فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ أَيُّهَا النَّاسُ إنَّكُمْ تُؤَوِّلُونَ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى هَذَا التَّاوِيلِ وَإِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِينَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ إنَّا لَمَّا أَعَزَّ اللَّهُ دِينَهُ وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ قُلْنَا بَيْنَنَا سِرًّا إنَّ أَمْوَالَنَا قَدْ ضَاعَتْ فَلَوْ أَنَّا قُمْنَا فِيهَا وَأَصْلَحْنَا مَا ضَاعَ مِنْهَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ فَكَانَتْ التَّهْلُكَةُ الْإِقَامَةَ الَّتِي أَرَدْنَا"وَصَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ نَحْوُ هَذَا فِي تَاوِيلِ الْآيَةِ قِيلَ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ دُخُولِ الْوَاحِدِ فِي صَفِّ الْقِتَالِ وَلَوْ ظَنَّ الْهَلَاكَ (قُلْت) أَمَّا ظَنُّ الْهَلَاكِ فَلَا دَلِيلَ فِيهِ إذْ لَا يُعْرَفُ مَا كَانَ ظَنُّ مَنْ حَمَلَ هُنَا وَكَأَنَّ الْقَائِلَ يَقُولُ إنَّ الْغَالِبَ فِي وَاحِدٍ يَحْمِلُ عَلَى صَفٍّ كَبِيرٍ أَنَّهُ يَظُنُّ الْهَلَاكَ. وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي مَسْأَلَةِ حَمْلِ الْوَاحِدِ عَلَى الْعَدَدِ الْكَثِيرِ مِنْ الْعَدُوِّ. إنَّهُ صَرَّحَ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ إذَا كَانَ لِفَرْطِ شَجَاعَتِهِ وَظَنِّهِ أَنَّهُ يُرْهِبُ الْعَدُوَّ بِذَلِكَ أَوْ يُجْزِئُ الْمُسْلِمِينَ