الْحُكْمِ، وَقَدْ سَمِعْت غَيْرَ مَرَّةٍ أَنَّ الْعِلَّةَ كَثِيرًا مَا تَكُونُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْجِنْسِ لَا بِالنِّسْبَةِ إلَى جَمِيعِ أَفْرَادِ الْجِنْسِ وَإِنَّ هَذَا إمَّا تَخْصِيصٌ عَامٌّ أَوْ تَقْيِيدٌ مُطْلَقٌ فَلَا يَجُوزُ بِالرَّايِ عَلَى أَنَّ النُّصُوصَ مَحْمُولَةٌ عَلَى ظَوَاهِرِهَا وَلَا يُصَارُ إلَى الْمَجَازِ بِدُونِ تَعَذُّرِ الْحَقِيقَةِ (وَيَرُدُّهُ) أَيْ هَذَا الْحَمْلَ (أَنَّ عُمَرَ رضي الله عنه) حِينَ سَافَرَ لِأَجْلِ فَتْحِ الْقُدْسِ وَقَرُبَ مِنْ الشَّامِ وَأَرْسَلَ إلَيْهِ أَبُو عُبَيْدَةَ رَسُولًا وَقَالَ إنَّ فِي الشَّامِ طَاعُونًا فَالْأَمْرُ إلَيْك فَتَفَرَّقُوا فِرْقَتَيْنِ فِرْقَةٌ عَلَى عَدَمِ الدُّخُولِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} - وَفِرْقَةٌ عَلَى الدُّخُولِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ} الْآيَةَ فَاخْتَارَ عُمَرُ جَانِبَ الرُّجُوعِ فَقِيلَ أَتَفِرُّ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ فَقَالَ فِرَارِي مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ إلَى قَضَاءِ اللَّهِ، ثُمَّ تَشَاوَرَ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَقَرَأَ {إذَا سَمِعْتُمْ بِالْوَبَاءِ بِأَرْضٍ} الْحَدِيثَ فَفَرِحَ وَحَمِدَ اللَّهَ لِمُوَافَقَتِهِ اجْتِهَادَهُ (لَمْ يَدْخُلْ الشَّامَ بَعْدَ الْمَشُورَةِ) مَعَ الْأَصْحَابِ (فَرَجَعَ) إلَى الْمَدِينَةِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ صَنِيعِ الْمُصَنِّفِ تَجْوِيزُ جَانِبِ الْفِرَارِ وَإِبْقَاؤُهُ عَلَى حَالِهِ؛ لِأَنَّ السُّكُوتَ فِي مَعْرِضِ الْبَيَانِ يُشْعِرُ بِالْحَصْرِ وَأَنَّ مَفْهُومَ الْمُخَالَفَةِ مُعْتَبَرٌ فِي الْمُصَنَّفَاتِ بَلْ فِيهِ بَيَانُ الضَّرُورَةِ أَيْضًا وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ، وَإِنْ مُلَائِمًا لِمَا اخْتَارَهُ عَنْ التوربشتي سَابِقًا مِنْ السِّرَايَةِ بِإِذْنِهِ تَعَالَى لَكِنَّهُ يُنَافِي غَرَضَهُ فِي الْمَقَامِ مِنْ كَوْنِ الْفِرَارِ مِنْ آفَاتِ الرِّجْلِ وَلَا يُلَائِمُ تَعْرِيفَهُ بِقَوْلِهِ (فَالصَّحِيحُ أَنَّ النَّهْيَ عَلَى ظَاهِرِهِ) وَأَنَّ الِاحْتِجَاجَ بِفِعْلِ عُمَرَ بَعْدَ النُّصُوصِ السَّابِقَةِ كَالرَّايِ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ عَلَى أَنَّ الِاحْتِجَاجَ بِمَذْهَبِ الصَّحَابِيِّ سِيَّمَا عِنْدَ الِاخْتِلَافِ مِمَّا يَقْبَلُ الْكَلَامَ يُعْرَفُ مِنْ الْأُصُولِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ سُكُوتَهُمْ عِنْدَ رَايِ جَانِبِ الرُّجُوعِ حَلَّ مَحَلَّ الْإِجْمَاعِ، وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ الَّذِي هُوَ خَبَرٌ وَاحِدٌ كَانَ سَنَدَ الْإِجْمَاعِ وَبِمَا قَرَّرْنَا فِي الْمَقَامِ يَنْدَفِعُ أَيْضًا مَا أُورِدَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يَجُوزُ كَوْنُ رُجُوعِ عُمَرَ لِصِيَانَةِ اعْتِقَادِ مَنْ مَعَهُ مِنْ الْعَوَّام، يُؤَيِّدُهُ مَشُورَتُهُ مَعَ الْأَصْحَابِ فَتَأَمَّلْ فِيهِ. فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يُرَجِّحُ عُمَرُ جَانِبَ الرُّجُوعِ، وَقَدْ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ - {أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ} - الْآيَةَ وَدَلَالَةُ ذَلِكَ عَلَى عَدَمِ الْفِرَارِ مِنْ الطَّاعُونِ عَلَى طَرِيقِ النَّصِّ لِسَوْقِهَا لَهُ وَآيَةُ عَدَمِ إلْقَاءِ التَّهْلُكَةِ لَوْ سَلِمَ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى طَرِيقِ الظَّاهِرِ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُولَى وَقَعَ فِي دِيَارِهِمْ طَاعُونٌ فَخَرَجُوا هَارِبِينَ فَأَمَاتَهُمْ اللَّهُ، ثُمَّ أَحْيَاهُمْ لِيَعْتَبِرُوا وَيَتَيَقَّنُوا أَنْ لَا مَفَرَّ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ، وَقَدْ قُرِّرَ أَنَّ النَّصَّ رَاجِحٌ عَلَى الظَّاهِرِ قُلْنَا ظَاهِرٌ أَنَّ تِلْكَ الْآيَةَ فِي حَقِّ الْخُرُوجِ وَاخْتِيَارُ عُمَرَ فِي حَقِّ عَدَمِ الدُّخُولِ فَافْتَرَقَا، وَأَمَّا قِيَاسُ هَذَا عَلَى ذَلِكَ فَالْخَبَرُ الصَّحِيحُ رَاجِحٌ عَلَيْهِ لَا سِيَّمَا وَفِيهِ رَائِحَةُ الْإِجْمَاعِ كَمَا عَرَفْت وَأَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْإِلْقَاءِ فِي التَّهْلُكَةِ إنَّمَا هُوَ عِنْدَ كَوْنِ التَّهْلُكَةِ قَطْعِيًّا وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَيْسَ بِقَطْعِيٍّ بَلْ ظَنِّيٌّ أَوْ وَهْمِيٌّ وَلِذَا تَرَى الْكَثِيرَ عِنْدَ وُرُودِهِمْ فِي مَحَلِّ الطَّاعُونِ لَا يَمُوتُونَ بَلْ لَا يُطْعَنُونَ وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ أَنَّ الطَّاعُونَ لَيْسَ بِسَارٍ طَبْعًا وَسَارٍ بِإِذْنِهِ تَعَالَى فَلِلْأَوَّلِ مَنْعٌ عَنْ الْخُرُوجِ، وَقَدْ انْضَمَّ لَهُ حِفْظُ الْمَطْعُونِينَ كَمَا مَرَّ وَلِلثَّانِي مَنْعُ الدُّخُولِ، وَقَدْ انْضَمَّ لَهُ حِفْظُ الِاعْتِقَادِ فَصَارَ كَالْعَمَلِ بِالشَّبَهَيْنِ وَأَنَّ السِّرَايَةَ بِالْإِذْنِ لَيْسَتْ بِقَطْعِيَّةٍ بَلْ بِالْإِمْكَانِ وَالْوُقُوعِ فِي الْقِلَّةِ وَلَا حُكْمَ فِي النُّدْرَةِ، وَمَا رُوِيَ عَنْ مِثْلِ أَبِي مُوسَى بَعْدَ تَسْلِيمِ صِحَّةِ الرِّوَايَةِ مَحْمُولٌ عَلَى الْفِرَارِ مِنْ الدُّخُولِ تَوْفِيقًا لِلْحَدِيثِ، وَأَمَّا الْمَنْقُولُ عَنْ أَبِي السُّعُودِ إنْ أَمْكَنَ تَوْفِيقُهُ بِمَا ذُكِرَ وَإِلَّا فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ لَكِنْ يَبْقَى مَسْأَلَةُ غَصْبِ الصَّبِيِّ لِلْأَشْيَاءِ. وَقَدْ يُقَالُ فِي الْمَنْعِ عَنْ الْخُرُوجِ طِبًّا إنَّ الطَّاعُونَ هَوَاءٌ فَإِصَابَتُهُ لَيْسَتْ لِظَاهِرٍ بَلْ لِبَاطِنٍ كَالْقَلْبِ وَالرِّئَةِ وَالْكَبِدِ فَظُهُورُهُ فِي الظَّاهِرِ يَعْنِي الْبَدَنَ كَثِيرٌ أَمَّا بَعْدَ زَمَانٍ مَدِيدٍ فَلَا يُفِيدُ الْخُرُوجَ نَعَمْ يُحْتَمَلُ كَوْنُ إصَابَتِهِ عِنْدَ بَقَائِهِ بِلَا خُرُوجٍ لَكِنْ وَهْمِيٌّ، وَمَعَ هَذَا يَنْضَمُّ إلَى الْخُرُوجِ تَعْطِيلُ أَحْوَالِ الْمَطْعُونِينَ بَلْ تَحْقِيقُ إهْلَاكِهِمْ عِنْدَ عَدَمِ بَقَاءِ أَحَدٍ مِنْ الْأَصِحَّاءِ وَخَلَاصُهُمْ مُنْتَظَرٌ، وَفِي مَنْعِ الدُّخُولِ أَيْضًا أَنَّ الْهَوَاءَ لَمْ يُؤَثِّرْ بِبَاطِنِهِ وَلَمْ يَكُنْ لِأَهْلِ الْبَلَدِ حَاجَةٌ إلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا