صلى الله عليه وسلم: إنَّ أَمْوَالَنَا قَدْ ضَاعَتْ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعَزَّ الْإِسْلَامَ وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ فَلَوْ أَقَمْنَا فِي أَمْوَالِنَا فَأَصْلَحْنَا مَا ضَاعَ مِنْهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ يَرُدُّ عَلَيْنَا مَا قُلْنَا: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} وَكَانَتْ التَّهْلُكَةُ الْإِقَامَةَ عَلَى الْأَمْوَالِ وَإِصْلَاحَهَا، وَتَرَكْنَا الْغَزْوَ؛ فَمَا زَالَ أَبُو أَيُّوبَ شَاخِصًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى دُفِنَ بِأَرْضِ الرُّومِ.
(وَ) اعْلَمْ أَنَّ (الْجِهَادَ فَرْضٌ) بِلَا خِلَافٍ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} وَالْآيُ الدَّالَّةُ عَلَى وُجُوبِهِ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَكَذَا الْأَحَادِيثُ الشَّرِيفَةُ فَإِنْ بَعُدَ الْعَدُوُّ لَمْ يَجِبْ النُّهُوضُ إلَيْهِ إلَّا إذَا وَجَدَ زَادًا أَوْ رَاحِلَةً وَمُؤْنَةَ مَنْ يَلْزَمُهُ أَمْرُهُ حَتَّى يَرْجِعَ كَالْحَجِّ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ} {وَلَا عَلَى الَّذِينَ إذَا مَا أَتَوْك لِتَحْمِلَهُمْ} الْآيَةَ وقوله تعالى {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} وَعَلَيْهِ قَبُولُ الزَّادِ مِنْ الْإِمَامِ إذْ فِي بَيْتِ الْمَالِ حَقٌّ لَهُ وَلَا مِنَّةَ.
وفي الموسوعة الفقهية:
ثَانِيًا: هُجُومُ الْوَاحِدِ عَلَى صَفِّ الْعَدُوِّ:
11 -اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ هُجُومِ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَحْدَهُ عَلَى جَيْشِ الْعَدُوِّ، مَعَ التَّيَقُّنِ بِأَنَّهُ سَيُقْتَلُ. فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إلَى جَوَازِ إقْدَامِ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ عَلَى الْكَثِيرِ مِنْ الْكُفَّارِ، إنْ كَانَ قَصْدُهُ إعْلَاءَ كَلِمَةِ اللَّهِ، وَكَانَ فِيهِ قُوَّةٌ وَظَنَّ تَاثِيرَهُ فِيهِمْ، وَلَوْ عَلِمَ ذَهَابَ نَفْسِهِ، فَلَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ انْتِحَارًا. وَقِيلَ إذَا طَلَبَ الشَّهَادَةَ، وَخَلَصَتْ النِّيَّةُ فَلْيَحْمِلْ، لِأَنَّ مَقْصُودَهُ وَاحِدٌ مِنْ الْأَعْدَاءِ، وَذَلِكَ بَيِّنٌ فِي قوله تعالى: {وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ} وَقَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنْ يَكُونَ قَدْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنْ سَيَقْتُلُ مَنْ حَمَلَ عَلَيْهِ وَيَنْجُو، وَكَذَلِكَ لَوْ عَلِمَ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يُقْتَلُ، لَكِنْ سَيَنْكِي نِكَايَةً أَوْ سَيُبْلِي أَوْ يُؤَثِّرُ أَثَرًا يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ. وَلَا يُعْتَبَرُ هَذَا إلْقَاءَ النَّفْسِ إلَى التَّهْلُكَةِ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} لِأَنَّ مَعْنَى التَّهْلُكَةِ - كَمَا فَسَّرَهَا أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ - هُوَ الْإِقَامَةُ فِي الْأَمْوَالِ وَإِصْلَاحُهَا وَتَرْكُ الْجِهَادِ. لِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَسْلَمَ أَبِي عِمْرَانَ حِكَايَةً عَنْ غَزْوِ الْقُسْطَنْطِينِيَّة أَنَّهُ {حَمَلَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْمَلِينَ عَلَى صَفِّ الرُّومِ حَتَّى دَخَلَ فِيهِمْ، فَصَاحَ النَّاسُ، وَقَالُوا: سُبْحَانَ اللَّهِ، يُلْقِي بِيَدَيْهِ إلَى التَّهْلُكَةِ، فَقَامَ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّكُمْ تَتَأَوَّلُونَ هَذِهِ الْآيَةَ هَذَا التَّاوِيلَ، وَإِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِينَا مَعَاشِرَ الْأَنْصَارِ لَمَّا أَعَزَّ اللَّهُ الْإِسْلَامَ وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ، فَقَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ سِرًّا دُونَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إنَّ أَمْوَالَنَا قَدْ ضَاعَتْ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعَزَّ الْإِسْلَامَ وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ، فَلَوْ أَقَمْنَا فِي أَمْوَالِنَا فَأَصْلَحْنَا مَا ضَاعَ مِنْهَا، فَأَنْزَلَ عَلَى نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم يَرُدُّ عَلَى مَا قُلْنَا وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} فَكَانَتْ التَّهْلُكَةُ الْإِقَامَةَ عَلَى الْأَمْوَالِ وَإِصْلَاحَهَا وَتَرْكَنَا الْغَزْوَ وَنَقَلَ الرَّازِيُّ رِوَايَةً عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّ {رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ذَكَرَ الْجَنَّةَ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَرَأَيْت إنْ قُتِلْت فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَيْنَ أَنَا؟ قَالَ: فِي الْجَنَّةِ، فَأَلْقَى تَمَرَاتٍ فِي يَدَيْهِ ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ} . كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَالصَّحِيحُ عِنْدِي جَوَازُهُ، لِأَنَّ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: طَلَبُ الشَّهَادَةِ. الثَّانِي: وُجُودُ النِّكَايَةِ. الثَّالِثُ: تَجْرِئَةُ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ. الرَّابِعُ: ضَعْفُ نُفُوسِ الْأَعْدَاءِ، لِيَرَوْا أَنَّ هَذَا صُنْعُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَمَا ظَنُّك بِالْجَمِيعِ. وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ: إنْ عَلِمَ أَنَّهُ إذَا حَارَبَ قُتِلَ، وَإِذَا لَمْ يُحَارِبْ أُسِرَ لَمْ يَلْزَمْهُ الْقِتَالُ، لَكِنَّهُ إذَا قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ جَازَ بِشَرْطِ أَنْ يَنْكِيَ فِيهِمْ. أَمَّا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَنْكِي فِيهِمْ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِحَمَلَتِهِ شَيْءٌ مِنْ إعْزَازِ الدِّينِ كَمَا نُقِلَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ