فهرس الكتاب

الصفحة 156 من 396

3 -أَمَّا الِاسْتِعَانَةُ بِغَيْرِ اللَّهِ، فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ بِالْإِنْسِ أَوْ بِالْجِنِّ. فَإِنْ كَانَتْ الِاسْتِعَانَةُ بِالْجِنِّ فَهِيَ مَمْنُوعَةٌ، وَقَدْ تَكُونُ شِرْكًا وَكُفْرًا، لقوله تعالى: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنْ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنْ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا}

4 -وَأَمَّا الِاسْتِعَانَةُ بِالْإِنْسِ فَقَدْ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهَا جَائِزَةٌ فِيمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ خَيْرٍ، لقوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} وَقَدْ يَعْتَرِيهَا الْوُجُوبُ عِنْدَ الِاضْطِرَارِ، كَمَا لَوْ وَقَعَ فِي تَهْلُكَةٍ وَتَعَيَّنَتْ الِاسْتِعَانَةُ طَرِيقًا لِلنَّجَاةِ، لقوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ}

تَنَاوُلُ الْمُضْطَرِّ لِلْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا:

87 -أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى إبَاحَةِ أَكْلِ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا لِلْمُضْطَرِّ، وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الِاضْطِرَارَ إلَى الْمُحَرَّمَاتِ فِي خَمْسَةِ مَوَاطِنَ مِنْ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ: (الْأَوَّلُ) - الْآيَةُ 173 مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَفِيهَا بَعْدَ ذِكْرِ تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا: {فَمَنْ اُضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} . (الثَّانِي) - الْآيَةُ الثَّالِثَةُ مِنْ سُورَةِ الْمَائِدَةِ، وَفِيهَا بَعْدَ ذِكْرِ تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا: {فَمَنْ اُضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} . (الثَّالِثُ) - الْآيَةَ مِنْ سُورَةِ الْأَنْعَامِ، وَفِيهَا بَعْدَ ذِكْرِ تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا {فَمَنْ اُضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّك غَفُورٌ رَحِيمٌ} . (الرَّابِعُ) - الْآيَةُ مِنْ سُورَةِ الْأَنْعَامِ، وَقَدْ جَاءَ فِيهَا: {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَاكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إلَّا مَا اُضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ} . (الْخَامِسُ) - الْآيَةُ مِنْ سُورَةِ النَّحْلِ، وَفِيهَا بَعْدَ ذِكْرِ تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا: {فَمَنْ اُضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} .

88 -فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {فَمَنْ اُضْطُرَّ} مَعْنَاهُ: فَمَنْ دَفَعَتْهُ الضَّرُورَةُ وَأَلْجَأَتْهُ إلَى تَنَاوُلِ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا، بِأَنْ يَخَافَ عِنْدَ تَرْكِ تَنَاوُلِهَا ضَرَرًا عَلَى نَفْسِهِ أَوْ بَعْضِ أَعْضَائِهِ مَثَلًا. (وَالْبَاغِي) ، هُوَ الَّذِي يَبْغِي عَلَى غَيْرِهِ فِي تَنَاوُلِ الْمَيْتَةِ، بِأَنْ يُؤْثِرَ نَفْسَهُ عَلَى مُضْطَرٍّ آخَرَ، فَيَنْفَرِدُ بِتَنَاوُلِ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا فَيَهْلَكُ الْآخَرُ مِنْ الْجُوعِ. وَقِيلَ: الْبَاغِي هُوَ الْعَاصِي بِالسَّفَرِ وَنَحْوِهِ، وَسَيَاتِي الْخِلَافُ فِيهِ (ف) . (وَالْعَادِي) : هُوَ الَّذِي يَتَجَاوَزُ مَا يَسُدُّ الرَّمَقَ وَيَنْدَفِعُ بِهِ الضَّرَرُ، أَوْ يَتَجَاوَزُ حَدَّ الشِّبَعِ، عَلَى الْخِلَافِ الْآتِي. (وَالْمَخْمَصَةُ) : الْمَجَاعَةُ، وَالتَّقْيِيدُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فِي مَخْمَصَةٍ} . إنَّمَا هُوَ لِبَيَانِ الْحَالَةِ الَّتِي يَكْثُرُ فِيهَا وُقُوعُ الِاضْطِرَارِ، وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ بِهِ الِاحْتِرَازَ عَنْ الْحَالَةِ الَّتِي لَا مَجَاعَةَ فِيهَا، فَإِنَّ الْمُضْطَرَّ فِي غَيْرِ الْمَجَاعَةِ يُبَاحُ لَهُ التَّنَاوُلُ كَالْمُضْطَرِّ فِي الْمَجَاعَةِ. (وَالْمُتَجَانِفُ لِلْإِثْمِ) هُوَ الْمُنْحَرِفُ الْمَائِلُ إلَيْهِ، أَيْ الَّذِي يَقْصِدُ الْوُقُوعَ فِي الْحَرَامِ، وَهُوَ الْبَغْيُ وَالْعُدْوَانُ الْمَذْكُورَانِ فِي الْآيَاتِ الْأُخْرَى.

89 -وَمِمَّا وَرَدَ فِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ مَا رَوَاهُ أَبُو وَاقِدٍ اللَّيْثِيُّ رضي الله عنه قَالَ: قُلْت: {يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا بِأَرْضٍ تُصِيبُنَا مَخْمَصَةٌ، فَمَا يَحِلُّ لَنَا مِنْ الْمَيْتَةِ؟ فَقَالَ: إذَا لَمْ تَصْطَبِحُوا، وَلَمْ تَغْتَبِقُوا، وَلَمْ تَحْتَفِئُوا بَقْلًا فَشَانُكُمْ بِهَا} . غَيْرَ أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي الْمَقْصُودِ بِالْإِبَاحَةِ، وَفِي حَدِّ الضَّرُورَةِ الْمُبِيحَةِ، وَفِي تَفْصِيلِ الْمُحَرَّمَاتِ الَّتِي يُبِيحُهَا الِاضْطِرَارُ، وَتَرْتِيبُهَا عِنْدَ التَّعَدُّدِ، وَفِي الشِّبَعِ أَوْ التَّزَوُّدِ مِنْهَا، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَسَائِلِ. وَبَيَانُ ذَلِكَ مَا يَاتِي.

الْمَقْصُودُ بِإِبَاحَةِ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا: 90 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمَقْصُودِ بِإِبَاحَةِ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْمَقْصُودُ جَوَازُ التَّنَاوُلِ وَعَدَمِهِ، لِظَاهِرِ قوله تعالى: {فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ} . وَهَذَا الْقَوْلُ ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَقَالَ آخَرُونَ: إنَّ الْمَقْصُودَ بِإِبَاحَةِ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا لِلْمُضْطَرِّ وُجُوبُ تَنَاوُلِهَا. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَدَلِيلُهُ قوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} . وَلَا شَكَّ أَنَّ الَّذِي يَتْرُكُ تَنَاوُلَ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا حَتَّى يَمُوتَ يُعْتَبَرُ قَاتِلًا لِنَفْسِهِ، وَمُلْقِيًا بِنَفْسِهِ إلَى التَّهْلُكَةِ، لِأَنَّ الْكَفَّ عَنْ التَّنَاوُلِ فِعْلٌ مَنْسُوبٌ لِلْإِنْسَانِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت