بِالثَّبَاتِ أَمْ لَا إذْ الْغُزَاةُ يَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} فَفُسِّرَتْ التَّهْلُكَةُ فِيهِ بِالْكَفِّ عَنْ الْغَزْوِ بِحُبِّ الْمَالِ وَبِالْفِرَارِ مِنْ الزَّحْفِ وَبِالْخُرُوجِ بِغَيْرِ نَفَقَةٍ وَالْمَعْنَى فِي وُجُوبِ الثَّبَاتِ لِلْمِثْلَيْنِ أَنَّ الْمُسْلِمَ عَلَى إحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ إمَّا أَنْ يُقْتَلَ فَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ أَوْ يَسْلَمَ فَيَفُوزَ بِالْأَجْرِ وَالْغَنِيمَةِ وَالْكَافِرُ يُقَاتِلُ عَلَى الْفَوْزِ بِالدُّنْيَا وَمَنْ لَا جِهَادَ عَلَيْهِ كَالْمَرْأَةِ يَجُوزُ لَهُ الِانْصِرَافُ مُطْلَقًا وَخَرَجَ بِالصَّفِّ مَا لَوْ لَقَى مُسْلِمٌ مُشْرِكَيْنِ فَلَهُ الِانْصِرَافُ وَإِنْ كَانَ هُوَ الَّذِي طَلَبَهُمَا؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْجِهَادِ وَالثَّبَاتِ إنَّمَا هُوَ فِي الْجَمَاعَةِ لَكِنْ. قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: الْأَظْهَرُ بِمُقْتَضَى نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي الْمُخْتَصَرِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الِانْصِرَافُ فَإِنَّهُ حُكِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ مَنْ فَرَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ فَلَمْ يَفِرَّ وَمَنْ فَرَّ مِنْ اثْنَيْنِ فَقَدْ فَرَّ، ثُمَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ: هَذَا مِثْلُ مَعْنَى التَّنْزِيلِ (لَا) أَيْ: لَا تَنْصَرِفُ (مِائَةٌ) مِنَّا (مِنْ مِائَتَيْنِ وَأَحَدْ) مِنْهُمْ (إذْ حِزْبُنَا لَا هُمْ) أَيْ: حِينَ يَكُونُ حِزْبُنَا (مِنْ الْأَبْطَالِ) دُونَ حِزْبِهِمْ بِأَنْ يَكُونُوا ضُعَفَاءَ نَظَرًا لِلْمَعْنَى وَإِنَّمَا يُرَاعَى الْعَدَدُ عِنْدَ تَقَارُبِ الْأَوْصَافِ وَمِنْ هُنَا يَجُوزُ أَنْ تَنْصَرِفَ مِائَةٌ ضُعَفَاءُ مِنْ مِائَةٍ وَتِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ أَبْطَالًا وَحَيْثُ جَازَ الِانْصِرَافُ وَغَلَبَ ظَنُّ الْهَلَاكِ بِالثَّبَاتِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الثَّبَاتِ نِكَايَةٌ وَجَبَ الْفِرَارُ وَإِلَّا فَلَا بَلْ يُسْتَحَبُّ الثَّبَاتُ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِ كَغَيْرِهِ تَخْصِيصُ الِاسْتِثْنَاءِ بِمَا ذُكِرَ. قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْعِبْرَةُ عِنْدَ مَنْ اسْتَثْنَاهُ بِأَنْ يَكُونَ مَعَنَا مِنْ الْقُوَّةِ مَا يَغْلِبُ بِهِ عَلَى الظَّنِّ أَنَّا نُقَاوِمُ مَنْ بِإِزَائِنَا مِنْ الْعَدُوِّ الزَّائِدِ عَلَى مِثْلَيْنَا وَنَرْجُو الظَّفَرَ بِهِمْ (وَلَا) يَحْرُمُ الِانْصِرَافُ (لِلِانْحِرَافِ لِلْقِتَالِ) كَأَنْ يَقْصِدَ أَنْ يَكْمُنَ فِي مَوْضِعٍ وَيَهْجُمَ أَوْ يَفِرَّ مِنْ مَضِيقٍ لِيَتْبَعَهُ الْعَدُوُّ إلَى مُتَّسَعٍ سَهْلٍ لِلْقِتَالِ أَوْ يَنْصَرِفَ مِنْ مُقَابَلَةِ الشَّمْسِ أَوْ الرِّيحِ (وَلَا إذَا لِفِئَةٍ) مِنَّا (تَحَيُّزًا) لِيَسْتَنْجِدَ بِهَا عَلَى الْقِتَالِ. قَالَ تَعَالَى {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إلَى فِئَةٍ} وَعِبَارَةُ الْحَاوِي وَلِتَحَرُّفٍ لِقِتَالٍ وَتَحَيُّزٍ إلَى فِئَةٍ بِدُونِ لَا وَهِيَ أَنْسَبُ بِالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ إذْ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ وَيَنْصَرِفُ لِلزِّيَادَةِ عَلَى الضَّعْفِ وَلِلتَّحَرُّفِ لِلْقِتَالِ أَوْ لِلتَّحَيُّزِ إلَى فِئَةٍ وَسَوَاءٌ قَرُبَتْ الْفِئَةُ أَمْ بَعُدَتْ لِإِطْلَاقِ الْآيَةِ وَعَنْ عُمَرَ رضي الله عنه أَنَا فِئَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ وَكَانَ بِالْمَدِينَةِ وَجُنُودُهُ بِالشَّامِ وَالْعِرَاقِ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ؛ وَلِأَنَّ عَزْمَهُ عَلَى الْعَوْدِ إلَى الْقِتَالِ لَا يَخْتَلِفُ بِالْقُرْبِ وَالْبُعْدِ. (وَإِنْ بِهَذَا) أَيْ: بِتَحَيُّزِهِ إلَى فِئَةٍ (تَنْكَسِرْ) أَيْ: الْفِئَةُ الْمُتَحَيِّزُ عَنْهَا (مَا جُوِّزَا) أَيْ: لَا يُجَوِّزُ التَّحَيُّزَ. قَالَهُ الْغَزَالِيُّ وَكَلَامُ الْإِمَامِ يُشِيرُ إلَيْهِ. قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ الْجُمْهُورُ وَكَأَنَّهُمْ رَأَوْا تَرْكَ الْقِتَالِ فِي الْحَالِ مَجْبُورًا بِعَزْمِهِ (وَلَا يُقَاتِلْ) أَيْ: الْمُتَحَيِّزُ إلَى فِئَةٍ أَيْ: لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُقَاتِلَ الْكُفَّارَ (مَعَهَا) إذَا عَادَتْ (مَهْمَا) أَيْ: إنْ (بَدَا) لَهُ عَدَمُ الْقِتَالِ؛ لِأَنَّ عَزْمَهُ الْعَوْدَ إلَى الْقِتَالِ رَخَّصَ لَهُ الِانْصِرَافَ فَلَا حَجْرَ عَلَيْهِ بَعْدُ وَالْجِهَادُ لَا يَجِبُ قَضَاؤُهُ
(قَوْلُهُ: وَخَرَجَ بِالصَّفِّ إلَخْ) خَرَجَ بِهِ أَيْضًا مَا لَوْ قَصَدَ الْكُفَّارُ بَلَدًا فَتَحَصَّنَ أَهْلُهُ إلَى مَجِيءِ مَدَدٍ وَحُصُولِ قُوَّةٍ فَلَا يَاثَمُونَ؛ لِأَنَّ الْإِثْمَ إنَّمَا يَكُونُ عَلَى مَنْ فَرَّ بَعْدَ اللِّقَاءِ
(وَالْعَزِيمَةُ لُغَةً: الْقَصْدُ الْمُؤَكَّدُ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ: عَزَمَ عَلَى الْأَمْرِ يَعْزِمُ عَزْمًا - وَيُضَمُّ - وَمَعْزَمًا وَعُزْمَانًا - بِالضَّمِّ - وَعَزِيمًا وَعَزِيمَةً وَعَزَمَهُ وَاعْتَزَمَهُ، وَعَلَيْهِ، وَتَعَزَّمَ أَرَادَ فِعْلَهُ، وَقَطَعَ عَلَيْهِ أَوْ جَدَّ فِي الْأَمْرِ، وَعَزَمَ الْأَمْرُ نَفْسُهُ عُزِمَ عَلَيْهِ، وَعَلَى الرَّجُلِ: أَقْسَمَ، وَالرَّاقِي قَرَأَ الْعَزَائِمَ، أَيْ الرُّقَى. وَهِيَ آيَاتٌ مِنْ الْقُرْآنِ تُقْرَأُ عَلَى ذَوِي الْآفَاتِ رَجَاءَ الْبُرْءِ، وَأُولُو الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ: الَّذِينَ عَزَمُوا عَلَى أَمْرِ اللَّهِ فِيمَا عَهِدَ إلَيْهِمْ. وَهُمْ: نُوحٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَمُوسَى وَعِيسَى وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ (وَ) الْعَزِيمَةُ (شَرْعًا) أَيْ فِي عُرْفِ أَهْلِ الشَّرْعِ (حُكْمٌ ثَابِتٌ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ خَالٍ عَنْ مُعَارِضٍ رَاجِحٍ. فَشَمِلَ) الْأَحْكَامَ (الْخَمْسَةَ) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ