فهرس الكتاب

الصفحة 177 من 396

مَا تَقُومُ بِهِ نَفْسُهُ وَيَتَقَوَّى بِهِ عَلَى الطَّاعَةِ فَيَكُونُ مُسْتَحَقًّا عَلَيْهِ كَالْكَسْبِ سَوَاءٌ فِي حَقِّ مَنْ هُوَ قَادِرٌ عَلَى الْكَسْبِ وَمَعْنَى الذُّلِّ فِي السُّؤَالِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مَمْنُوعٌ. (أَلَا تَرَى) أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ عَنْ مُوسَى وَمُعَلِّمِهِ عليهما السلام أَنَّهُمَا سَأَلَا عَنْ الْحَاجَةِ؟ فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ {اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا} وَالِاسْتِطْعَامُ طَلَبُ الطَّعَامِ وَمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْهُمَا بِطَرِيقِ الْأُجْرَةِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ قَالَ {لَوْ شِئْتَ لَاِتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا} فَعَرَفْنَا أَنَّهُ كَانَ بِطَرِيقِ الْبِرِّ عَلَى سَبِيلِ الْهَدِيَّةِ أَوْ الصَّدَقَةِ عَلَى مَا اخْتَلَفُوا أَنَّ الصَّدَقَةَ كَانَتْ تَحِلُّ لِلْأَنْبِيَاءِ سِوَى نَبِيِّنَا عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ السَّلَامُ عَلَى مَا بَيَّنَ وَكَذَا رَسُولُ اللَّهِ {وَقَالَ صلى الله عليه وسلم لِقَوْمٍ: هَلْ عِنْدَكُمْ مَا يُلَتُّ فِي السَّمْنِ وَإِلَّا اكْتَرَعْنَا مِنْ الْوَادِي كَرْعًا} {وَسَأَلَ رَجُلًا ذِرَاعَ شَاةٍ وَقَالَ نَاوِلْنِي الذِّرَاعَ} فِي حَدِيثٍ فِيهِ طُولٌ، فَلَوْ كَانَ فِي السُّؤَالِ عِنْدَ الْحَاجَةِ ذُلًّا لَمَا فَعَلَ الْأَنْبِيَاءُ عليهم السلام ذَلِكَ، فَقَدْ كَانُوا أَبْعَدَ النَّاسِ عَنْ اكْتِسَابِ سَبَبِ الذُّلِّ، وَلِأَنَّ مَا يَسُدُّ بِهِ رَمَقَهُ حَقٌّ مُسْتَحَقٌّ لَهُ فِي سُؤَالِ النَّاسِ فَلَيْسَ فِي الْمُطَالَبَةِ بِحَقٍّ مُسْتَحَقٍّ لَهُ مِنْ مَعْنَى الذُّلِّ شَيْءٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَ فَأَمَّا إذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى الْكَسْبِ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِحَقٍّ مُسْتَحَقٍّ لَهُ، وَإِنَّمَا حَقُّهُ فِي كَسْبِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَكْتَسِبَ، وَلَا يَسْأَلَ أَحَدًا مِنْ النَّاسِ وَلَكِنْ لَهُ أَنْ يَسْأَلَ رَبَّهُ، كَمَا فَعَلَ مُوسَى عليه السلام فَقَالَ {إنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} ، وَقَدْ أُمِرْنَا بِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ} وَقَالَهُ صلى الله عليه وسلم {سَلُوا اللَّهَ حَوَائِجَكُمْ حَتَّى الْمِلْحَ لِقُدُورِكُمْ وَالشِّسْعَ لِنِعَالِكُمْ}

وفي بدائع الصنائع:

كِتَابُ الزَّكَاةِ): الْكَلَامُ فِي هَذَا الْكِتَابِ فِي الْأَصْلِ فِي مَوْضِعَيْنِ فِي بَيَانِ أَنْوَاعِ الزَّكَاةِ وَفِي بَيَانِ حُكْمِ كُلِّ نَوْعٍ مِنْهَا، أَمَّا الْأَوَّلُ: فَالزَّكَاةُ فِي الْأَصْلِ نَوْعَانِ فَرْضٌ، وَوَاجِبٌ فَالْفَرْضُ زَكَاةُ الْمَالِ وَالْوَاجِبُ زَكَاةُ الرَّاسِ، وَهِيَ صَدَقَةُ الْفِطْرُ وَزَكَاةُ الْمَالِ نَوْعَانِ:. زَكَاةُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَأَمْوَالِ التِّجَارَةِ وَالسَّوَائِمِ، وَزَكَاةُ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ وَهِيَ الْعُشْرُ أَوْ نِصْفُ الْعُشْرِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَالْكَلَامُ فِيهَا يَقَعُ فِي مَوَاضِعَ فِي. بَيَانِ فَرْضِيَّتِهَا، وَفِي بَيَانِ كَيْفِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ وَفِي بَيَانِ سَبَبِ الْفَرْضِيَّةِ، وَفِي بَيَانِ رُكْنِهَا، وَفِي بَيَانِ شَرَائِطِ الرُّكْنِ، وَفِي بَيَانِ مَا يُسْقِطُهَا بَعْدَ وُجُوبِهَا. أَمَّا الْأَوَّلُ فَالدَّلِيلُ عَلَى فَرْضِيَّتِهَا الْكِتَابُ، وَالسُّنَّةُ، وَالْإِجْمَاعُ، وَالْمَعْقُولُ الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى {وَآتُوا الزَّكَاةَ} ، وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ {: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ {: وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} وَالْحَقُّ الْمَعْلُومُ هُوَ الزَّكَاةُ، وَقَوْلُهُ {: وَاَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} الْآيَةَ فَكُلُّ مَالٍ لَمْ تُؤَدَّ زَكَاتُهُ فَهُوَ كَنْزٌ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ {: كُلُّ مَالٍ أُدِّيَتْ الزَّكَاةُ عَنْهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ وَإِنْ كَانَ تَحْتَ سَبْعِ أَرْضِينَ وَكُلُّ مَالٍ لَمْ تُؤَدَّ الزَّكَاةُ عَنْهُ فَهُوَ كَنْزٌ وَإِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ} فَقَدْ أُلْحِقَ الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ بِمَنْ كَنَزَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَمْ يُنْفِقْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا بِتَرْكِ الْفَرْضِ وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} وَأَدَاءُ الزَّكَاةِ إنْفَاقٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وقوله تعالى {وَأَحْسِنُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} وقوله تعالى {: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ مِنْ بَابِ الْإِحْسَانِ وَالْإِعَانَةِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى. وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا وَرَدَ فِي الْمَشَاهِيرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ {: بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا} . وَرُوِيَ عَنْهُ عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ قَالَ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ {: اُعْبُدُوا رَبَّكُمْ، وَصَلُّوا خَمْسَكُمْ، وَصُومُوا شَهْرَكُمْ، وَحُجُّوا بَيْتَ رَبِّكُمْ، وَأَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ طَيِّبَةً بِهَا أَنْفُسُكُمْ تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبِّكُمْ} . وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا إلَّا جُعِلَتْ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَفَائِحُ ثُمَّ أُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ، وَجَبْهَتُهُ، وَظَهْرُهُ فِي يَوْمٍ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت