فهرس الكتاب

الصفحة 176 من 396

(قَالَ وَيُفْتَرَضُ عَلَى النَّاسِ إطْعَامُ الْمُحْتَاجِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَعْجِزُ فِيهِ عَنْ الْخُرُوجِ وَالطَّلَبِ) وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَشْتَمِلُ عَلَى فُصُولٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُحْتَاجَ إذَا عَجَزَ عَنْ الْخُرُوجِ يُفْتَرَضُ عَلَى مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يُطْعِمُهُ مِقْدَارَ مَا يَتَقَوَّى بِهِ عَلَى الْخُرُوجِ وَأَدَاءِ الْعِبَادَاتِ إذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى ذَلِكَ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم مَنْ بَاتَ شَبْعَانَ وَجَارُهُ إلَى جَنْبِهِ طَاوٍ حَتَّى إذَا مَاتَ، وَلَمْ يُطْعِمْهُ أَحَدٌ مِمَّنْ يَعْلَمُ بِحَالِهِ اشْتَرَكُوا جَمِيعًا فِي الْمَاثَمِ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم {أَيُّمَا رَجُلٍ مَاتَ جُوعًا بَيْنَ قَوْمٍ أَغْنِيَاءٍ، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُمْ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ} ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَ مَنْ يَعْلَمُ بِحَالِهِ مَا يُعْطِيهِ، وَلَكِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْخُرُوجِ إلَى النَّاسِ فَيُخْبِرُ بِحَالِهِ لِيُوَاسُوهُ وَيُفْتَرَضُ عَلَيْهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ مَا يُزِيلُ ضَعْفَهُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ وَالطَّاعَةُ بِحَسَبِ الطَّاقَةِ فَإِنْ امْتَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ اشْتَرَكُوا فِي الْمَاثَمِ، وَإِذَا قَامَ بِهِ الْبَعْضُ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ، وَهُوَ نَظِيرُ الْأَسِيرِ، فَإِنَّ مَنْ وَقَعَ أَسِيرًا فِي يَدِ أَهْلِ الْحَرْبِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَقَصَدُوا قَتْلَهُ يُفْتَرَضُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ يَعْلَمُ بِحَالِهِ أَنْ يَفْدِيَهُ بِمَالِهِ إنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ وَإِلَّا أَخْبَرَ بِهِ غَيْرَهُ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَإِذَا قَامَ بِهِ الْبَعْضُ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ بِحُصُولِ الْمَقْصُودِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي الْمَعْنَى، فَإِنَّ الْجُوعَ الَّذِي هَاجَ مِنْ طَبْعِهِ عَدُوٌّ يُخَافُ الْهَلَاكُ مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ الْعَدُوِّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ. فَأَمَّا إذَا كَانَ الْمُحْتَاجُ يَتَمَكَّنُ مِنْ الْخُرُوجِ وَلَكِنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْكَسْبِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ لِيُعْلَمَ بِحَالِهِ، وَمَنْ عَلِمَ بِحَالِهِ إذَا كَانَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْوَاجِبَاتِ فَلْيُؤَدِّهِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَجَدَ لِمَا اسْتَحَقَّ عَلَيْهِ مَصْرِفًا وَمُسْتَحَقًّا فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُسْقِطَ الْفَرْضَ عَنْ نَفْسِهِ بِالصَّرْفِ إلَيْهِ حَتْمًا؛ لِأَنَّهُ أَدْنَى إلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِ، وَهُوَ يُنْدَبُ إلَى الْإِحْسَانِ إلَيْهِ إنْ كَانَ قَدْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ مِنْ الْفَرَائِضِ لقوله تعالى {وَأَحْسِنُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} وَلَمَّا {، سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ قَالَ إفْشَاءُ السَّلَامِ وَإِطْعَامُ الطَّعَامِ وَالصَّلَاةُ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ} فَإِنْ كَانَ الْمُحْتَاجُ بِحَيْثُ يَقْدِرُ عَلَى الْكَسْبِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَكْتَسِبَ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَسْأَلَ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ {مَنْ سَأَلَ النَّاسَ وَهُوَ غَنِيٌّ عَمَّا يَسْأَلُ كَانَتْ مَسْأَلَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُدُوشًا أَوْ خُمُوشًا أَوْ كُدُوحًا فِي وَجْهِهِ} وَرُوِيَ {أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُفَرِّقُ الصَّدَقَاتِ فَأَتَاهُ رَجُلَانِ يَسْأَلَانِهِ مِنْ ذَلِكَ فَرَفَعَ بَصَرَهُ إلَيْهِمَا فَرَأَىهُمَا جَلْدَيْنِ قَالَ: أَمَا أَنَّهُ لَا حَقَّ لَكُمَا فِيهِ، وَإِنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا} مَعْنَاهُ لَا حَقَّ لَهُمَا فِي السُّؤَالِ وَقَالَ صلى الله عليه وسلم {لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ، وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ} يَعْنِي لَا يَحِلُّ السُّؤَالُ لِلْقَوِيِّ الْقَادِرِ عَلَى التَّكَسُّبِ وَقَالَ صلى الله عليه وسلم {السُّؤَالُ آخِرُ كَسْبِ الْعَبْدِ} ، وَلَكِنَّهُ لَوْ سَأَلَ فَأُعْطِيَ حَلَّ لَهُ أَنْ يَتَنَاوَلَ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم {، وَإِنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا} ، فَلَوْ كَانَ لَا يَحِلُّ التَّنَاوُلُ لَمَا قَالَ صلى الله عليه وسلم لَهُمَا ذَلِكَ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ} الْآيَةَ وَالْقَادِرُ عَلَى الْكَسْبِ فَقِيرٌ، وَإِذَا كَانَ عَاجِزًا عَنْ الْكَسْبِ، وَلَكِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْرُجَ فَيَطُوفَ عَلَى الْأَبْوَابِ وَيَسْأَلَ، فَإِنَّهُ يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ حَتَّى هَلَكَ كَانَ آثِمًا عِنْدَ أَهْلِ الْفِقْهِ رحمهم الله وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَقَشِّفَةِ: السُّؤَالُ مُبَاحٌ لَهُ بِطَرِيقِ الرُّخْصَةِ فَإِنْ تَرَكَهُ حَتَّى مَاتَ لَمْ يَكُنْ آثِمًا بَلْ هُوَ مُتَمَسِّكٌ بِالْعَزِيمَةِ، وَهَذَا قَرِيبٌ مِمَّا نُقِلَ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ رضي الله عنه أَنَّ مَنْ كَانَ فِي السَّفَرِ وَمَعَ رَفِيقٌ لَهُ مَاءٌ وَلَيْسَ عِنْدَهُ ثَمَنُهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَسْأَلَ رَفِيقَهُ، وَلَوْ تَيَمَّمَ وَصَلَّى مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْأَلَهُ الْمَاءَ جَازَتْ صَلَاتُهُ عِنْدَهُ، وَلَمْ تَجُزْ عِنْدَنَا. وَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّ فِي السُّؤَالِ ذُلًّا وَلِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَصُونَ نَفْسَهُ عَنْ الذُّلِّ، وَبَيَانُهُ فِيمَا نُقِلَ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه لَنَقْلُ الصَّخْرِ مِنْ قُلَلِ الْجِبَالِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ مِنَنِ الرِّجَالِ يَقُولُ النَّاسُ لِي فِي الْكَسْبِ عَارٌ فَقُلْت الْعَارُ فِي ذُلِّ السُّؤَالِ وَلِأَنَّ مَا يَلْحَقُهُ مِنْ الذُّلِّ بِالسُّؤَالِ تَعَيَّنَ وَمَا يَصِلُ إلَيْهِ مِنْ الْمَنْفَعَةِ مَوْهُومٌ وَرُبَّمَا يُعْطَى مَا يَسْأَلُ وَرُبَّمَا لَا يُعْطَى فَكَانَ السُّؤَالُ رُخْصَةً لَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مُسْتَحَقًّا عَلَيْهِ إذْ الْمَوْهُومُ لَا يُعَارِضُ الْمُتَحَقِّقَ وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ أَنَّ السُّؤَالَ يُوصِلُهُ إلَى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت